إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - بيان
التي هي شاهدة على اللّٰه إنما يدركها الإنسان في الصبا عند فقد العقل،ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلا قليلا و هو مستغرق الهم بشهواته،و قد أنس بمدركاته و محسوساته و ألفها،فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس.و لذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو نباتا غريبا أو فعلا من أفعال اللّٰه تعالى خارقا للعادة عجيبا،انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال سبحان اللّٰه و هو يرى طول النهار نفسه و أعضاءه،و سائر الحيوانات المألوفة،و كلها شواهد قاطعة لا يحس بشهادتها لطول الأنس بها.و لو فرض أكمه بلغ عاقلا،ثم انقشعت غشاوة عينه فامتد بصره إلى السماء،و الأرض،و الأشجار،و النبات،و الحيوان،دفعة واحدة على سبيل الفجأة،لخيف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة هذه العجائب لخالقها فهذا و أمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات هو الذي سد على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة،و السباحة في بحارها الواسعة، فالناس في طلبهم معرفة اللّٰه كالمدهوش الذي يضرب به المثل إذا كان راكبا لحماره و هو يطلب حماره،و الجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة،فهذا سر هذا الأمر فليحقق،و لذلك قيل
لقد ظهرت فما تخفى على أحد إلا على أكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا فكيف يعرف من بالعرف قد سترا
بيان
معنى الشوق إلى اللّٰه تعالى
اعلم أن من أنكر حقيقة المحبة للّٰه تعالى فلا بد و أن ينكر حقيقة الشوق،إذ لا يتصور الشوق إلا إلى محبوب.و نحن نثبت وجود الشوق إلى اللّٰه تعالى،و كون العارف مضطرا إليه بطريق الاعتبار و النظر بأنوار البصائر،و بطريق الأخبار و الآثار أما الاعتبار فيكفي في إثباته ما سبق في إثبات الحب،فكل محبوب يشتاق إليه في غيبته لا محالة،فأما الحاصل الحاضر فلا يشتاق إليه.فإن الشوق طلب و تشوف إلى أمر و الموجود لا يطلب.و لكن بيانه أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه و لم يدرك من وجه.فأما ما لا يدرك أصلا فلا يشتاق إليه،فإن من لم ير شخصا و لم يسمع وصفه لا يتصور أن يشتاق إليه.و ما أدرك بكماله لا يشتاق إليه.و كمال الإدراك بالرؤية،