إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٣ - بيان
بل ينبغي أن يهاجر.قال اللّٰه تعالى (أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا [١]) فإن منعه عن ذلك عيال أو علاقة،فلا ينبغي أن يكون راضيا بحاله،مطمئن النفس إليه، بل ينبغي أن يكون منزعج القلب منها،قائلا على الدوام (رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظّٰالِمِ أَهْلُهٰا [٢]) و ذلك لأن الظلم إذا عم نزل البلاء،و دمر الجميع،و شمل المطيعين.
قال اللّٰه تعالى (وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لاٰ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٣]) فإذا ليس في شيء من أسباب نقص الدين البتة رضا مطلق،إلا من حيث إضافتها إلى فعل اللّٰه تعالى.فأما هي في نفسها فلا وجه للرضا بها بحال و قد اختلف العلماء في الأفضل من أهل المقامات الثلاث،رجل يحب الموت شوقا إلى لقاء اللّٰه تعالى،و رجل يحب البقاء لخدمة المولى،و رجل قال لا أختار شيئا بل أرضى بما اختاره اللّٰه تعالى.و رفعت هذه المسألة إلى بعض العارفين فقال:صاحب الرضا أفضلهم لأنه أقلهم فضولا و اجتمع ذات يوم وهيب بن الورد،و سفيان الثوري،و يوسف بن أسباط.فقال الثوري:كنت أكره موت الفجأة قبول اليوم،و اليوم وددت أنى مت.فقال له يوسف:لم؟قال لما أتخوف من الفتنة،فقال يوسف:لكني لا أكره طول البقاء.فقال سفيان:لم؟قال لعلى أصادف يوما أتوب فيه و أعمل صالحا.فقيل لوهيب.أيش تقول أنت؟فقال أنا لا أختار شيئا،أحب ذلك إلي أحبه إلى اللّٰه سبحانه و تعالى فقبله الثوري بين عينيه و قال:روحانية و رب الكعبة
بيان
جملة من حكايات المحبين و أقوالهم و مكاشفاتهم
قيل لبعض العارفين.إنك محب.فقال:لست محبا،إنما أنا محبوب،و المحب متعوب و قيل له أيضا:الناس يقولون إنك واحد من السبعة.فقال:أنا كل السبعة.و كان يقول إذا رأيتمونى فقد رأيتم أربعين بدلا:قيل و كيف و أنت شخص واحد؟قيل لأني رأيت أربعين بدلا،و أخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه.و قيل له بلغنا أنك ترى الخضر عليه السلام
[١] النساء:٩٧
[٢] النساء:٧٥
[٣] الأنفال:٢٥