إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦ - بيان
فإن قلت فإذا أخذ المتوكل سلاحه حذرا من العدوّ،و أغلق بابه حذرا من اللص،و عقل بعيره حذرا من أن ينطلق،فبأيّ اعتبار يكون متوكلا فأقول يكون متوكلا بالعلم و الحال فأما العلم فهو أن يعلم أن اللص إن اندفع لم يندفع بكفايته في إغلاق الباب،بل لم يندفع إلا بدفع اللّه تعالى إياه.فكم من باب يغلق و لا ينفع،و كم من بعير يعقل و يموت أو يفلت، و كم من أخذ سلاحه يقتل أو يغلب. فلا تتكل على هذه الأسباب أصلا،بل على مسبب الأسباب كما ضربنا المثل في الوكيل في الخصومة،فإنه إن حضر و أحضر السجل فلا يتكل على نفسه و سجله،بل على كفاية الوكيل و قوّته و أما الحال فهو أن يكون راضيا بما يقضى اللّه تعالى به في بيته و نفسه،و يقول:اللهم إن سلطت على ما في البيت من يأخذه فهو في سبيلك،و أنا راض بحكمك،فإنى لا أدرى أن ما أعطيتنى هبة فلا تسترجعها،أو عارية و وديعة فتستردها،و لا أدرى أنه رزقي أو سبقت مشيئتك في الأزل بأنه رزق غيري،و كيفهما قضيت فأنا راض به،و ما أغلقت الباب تحصنا من قضائك و تسخطا له،بل جريا على مقتضى سننك في ترتيب الأسباب،فلا ثقة إلا بك يا مسبب الأسباب.فإذا كان هذا حاله،و ذلك الذي ذكرناه علمه،لم يخرج عن حدود التوكل بعقل البعير،و أخذ السلاح،و إغلاق الباب.ثم إذا عاد فوجد متاعه في البيت فينبغي أن يكون ذلك عنده نعمة جديدة من اللّه تعالى.و إن لم يجده بل وجده مسروقا نظر إلى قلبه،فإن وجده راضيا أو فرحا بذلك عالما أنه ما أخذ اللّه تعالى ذلك منه إلا ليزيد رزقه في الآخرة،فقد صح مقامه في التوكل،و ظهر له صدقه. و إن تألم قلبه به و وجد قوّة الصبر، فقد بان له أنه ما كان صادقا في دعوى التوكل،لأن التوكل،مقام بعد الزهد؛و لا يصح الزهد إلا ممن لا يتأسف على ما فات من الدنيا و لا يفرح بما يأتي،بل يكون على العكس منه فكيف يصح له التوكل!نعم قد يصح له مقام الصبر إن أخفاه و لم يظهر شكواه،و لم يكثر سعيه في الطلب و التجسس. و إن لم يقدر على ذلك حتى تأذى بقلبه،و أظهر الشكوى بلسانه و استقصى الطلب ببدنه،فقد كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث إنه ظهر له قصوره عن جميع المقامات،و كذبه في جميع الدعاوي.فبعد هذا ينبغي أن يجتهد حتى لا يصدق نفسه في دعاويها،و لا يتدلى يجعل غرورها،فإنها خداعة،أمارة بالسوء،مدعية للخبر