إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٧ - الأصل الثالث
دفعه،و هو جبلة و فطرة لا سبيل إلى تغييرها.و بهذا السبب قد يجب الإنسان الأجنبي الذي لا قرابة بينه و بينه و لا علاقة.و هذا إذا حقق رجع إلى السبب الأول،فإن المحسن من أمد بالمال و المعونة،و سائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود.و كمال الوجود، و حصول الحظوظ التي بها يتهيأ الوجود،إلا أن الفرق أن أعضاء الإنسان محبوبة لأن بها كمال وجوده،و هي عين الكمال المطلوب فأما المحسن فليس هو عين الكمال المطلوب و لكن قد يكون سببا له،كالطبيب الذي يكون سببا في دوام صحة الأعضاء،ففرق بين حب الصحة،و بين حب الطبيب الذي هو سبب الصحة،إذا الصحة مطلوبة لذاتها،و الطبيب محبوب لا لذاته،بل لأنه سبب للصحة.و كذلك العلم محبوب.و الأستاذ محبوب،و لكن العلم محبوب لذاته،و الأستاذ محبوب لكونه سبب العلم المحبوب.و كذلك الطعام و الشراب محبوب،و الدنانير محبوبة،لكن الطعام محبوب لذاته،و الدنانير محبوبة لأنها وسيلة إلى الطعام فإذا يرجع الفرق إلى تفاوت الرتبة،و إلا فكل واحد يرجع إلى محبة الإنسان نفسه.
فكل من أحب المحسن لإحسانه فما أحب ذاته تحقيقا،بل أحب إحسانه،و هو فعل من أفعاله لو زال زال الحب،مع بقاء ذاته تحقيقا.و لو نقص نقص الحب،و لو زاد زاد.
و يتطرق إليه الزيادة و النقصان بحسب زيادة الإحسان و نقصانه السبب الثالث:أن يحب الشيء لذاته،لا لحظ ينال منه وراء ذاته،بل تكون ذاته عين حظه.و هذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق بدوامه،و ذلك كحب الجمال و الحسن فإن كل جمال محبوب عند مدرك الجمال،و ذلك لعين الجمال،لأن إدراك الجمال فيه عين اللذة،محبوبة لذاتها لا لغيرها.و لا نظنن أن حب الصور الجميلة لا يتصوّر إلا لأجل قضاء الشهوة،فإن قضاء الشهوة لذة أخرى قد تحب الصور الجميلة لأجلها،و إدراك نفس الجمال أيضا لذيذ،فيجوز أن يكون محبوبا لذاته.و كيف ينكر ذلك و الخضرة و الماء الجاري محبوب،لا ليشرب الماء و تؤكل الخضرة أو ينال منها حظ سوى نفس الرؤية و قد [١]كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يعجبه الخضرة و الماء الجاري.و الطباع السليمة قاضية