إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٢ - بيان
التشبيه الظاهر، و إلى غالين مسرفين جاوزوا حد المناسبة إلى الاتحاد،و قالوا بالحلول،حتى قال بعضهم أنا الحق. و ضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا هو الإله. و قال آخرون منهم تدرع الناسوت باللاهوت.و قال آخرون اتحد به و أما الذين انكشف لهم استحالة التشبيه و التمثيل،و استحالة الاتحاد و الحلول.و اتضح لهم مع ذلك حقيقة السر،فهم الأقلون و لعل أبا الحسن النوري عن هذا المقام كان ينظر إذ غلبه الوجد في قول القائل
لا زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله
فلم يزل يعدو في وجده على أجمة قد قطع قصبها و بقي أصوله حتى تشققت قدماه و تورمتا و مات من ذلك،و هذا هو أعظم أسباب الحب و أقواها،و هو أعزها،و أبعدها،و أقلها وجودا فهذه هي المعلومة من أسباب الحب.و جملة ذلك متظاهرة في حق اللّه تعالى تحقيقا لا مجازا.و في أعلى الدرجات لا في أدناها.فكان المعقول المقبول عند ذوي البصائر حب اللّه تعالى فقط، كما أن المعقول الممكن عند العميان حب غير اللّه تعالى فقط.ثم كل من يحب من الخلق بسبب من هذه الأسباب يتصور أن يحب غيره لمشاركته إياه في السبب،و الشركة نقصان في الحب،و غض من كماله،و لا ينفرد أحد بوصف محبوب إلا و قد يوجد له شريك فيه فإن لم يوجد فيمكن أن يوجد،إلا اللّه تعالى،فإنه موصوف بهذه الصفات التي هي نهاية الجلال و الكمال،و لا شريك له في ذلك وجودا،و لا يتصور أن يكون ذلك إمكانا،فلا جرم لا يكون في حبه شركة،فلا يتطرق النقصان إليه حبه،كما لا تتطرق الشركة إلى صفاته.فهو المستحق إذ الأصل المحبة و لكمال المحبة استحقاقا لا يساهم فيه أصلا
بيان
أن أجل اللذات و أعلاها معرفة اللّه تعالى و النظر إلى وجهه الكريم
و أنه لا يتصور أن يؤثر عليها لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة اعلم أن اللذات تابعة للإدراكات،و الإنسان جامع لجملة من القوى و الغرائز،و لكل قوة و غريزة لذة،و لذتها في نيلها لمقتضى طبعها الذي خلقت له،فإن هذه الغرائز ما ركبت في الإنسان عبثا،بل ركبت كل قوة و غريزة لأمر من الأمور هو مقتضاها بالطبع.
فغريزة الغضب خلقت للتشفي و الانتقام،فلا جرم لذتها في الغلبة و الانتقام الذي هو مقتضى