إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٢ - بيان
و الأسباب التي تدعو إليها،لأجل التنفير عن المعصية ليست مذمومة، فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك،حتى اتفق جماعة على ذم بغداد، و إظهارهم ذلك،و طلب الفرار منها، فقال ابن المبارك:قد طفت الشرق و الغرب فما رأيت بلدا شرا من بغداد.قيل و كيف؟قال مولد تزدرى فيه نعمة اللّٰه،و تستصغر فيه معصية اللّٰه و لما قدم خراسان قيل له.كيف رأيت بغداد؟ قال ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان،أو تاجرا لهفان،أو قارئا حيران.و لا ينبغي أن تظن أن ذلك من الغيبة،لأنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به و إنما قصد بذلك تحذير الناس و كان يخرج إلى مكة،و قد كان مقامه ببغداد،يرقب استعداد القافلة ستة عشر يوما، فكان يتصدق بستة عشر دينارا،لكل يوم دينار كفارة لمقامه و قد ذم العراق جماعة كعمر بن عبد العزيز،و كعب الأحبار.و قال ابن عمر رضي اللّٰه عنهما لمولى له:أين تسكن؟فقال العراق.قال فما تصنع به،بلغني أنه ما من أحد يسكن العراق إلا قيض اللّٰه له قرينا من البلاء و ذكر كعب الأحبار يوما العراق فقال:فيه تسعة أعشار الشر،و فيه الداء العضال و قد قيل:قسم الخير عشرة أجزاء،فتسعة أعشاره بالشام،و عشره بالعراق،و قسم الشر عشرة أجزاء على العكس من ذلك و قال بعض أصحاب الحديث:كنا يوما عند الفضيل بن عياض فجاءه صوفي متدرع بعباءة فأجلسه إلى جانبه.و أقبل عليه ثم قال:أين تسكن؟فقال بغداد.فأعرض عنه و قال:يأتينا أحدهم في زي الرهبان،فإذا سألناه أين تسكن قال في عش الظلمة و كان بشر بن الحارث يقول:مثال المتعبد ببغداد مثال المتعبد في الحش.و كان يقول لا تقتدوا بي في المقام بها،من أراد أن يخرج فليخرج و كان أحمد بن حنبل يقول:لو لا تعلق هؤلاء الصبيان بنا كان الخروج من هذا البلد آثر في نفسي.قيل و أين تختار السكنى؟قال بالثغور و قال بعضهم و قد سئل عن أهل بغداد:زاهدهم زاهد،و شريرهم شرير فهذا يدل على أن من بلي بلدة تكثر فيها المعاصي،و يقل فيها الخير،فلا عذر له في المقام بها