إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٦ - و أما السبب الرابع و هو حب كل جميل لذات الجمال،
و أما السبب الرابع:و هو حب كل جميل لذات الجمال،
لا لحظ ينال منه وراء إدراك الجمال،فقد بينا أن ذلك مجبول في الطباع،و أن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس،و إلى جمال الصورة المدركة الباطنة المدركة بعين القلب و نور البصيرة و الأول يدركه الصبيان و البهائم،و الثاني يختص بدركه أرباب القلوب، و لا يشاركهم فيه من لا يعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. و كل جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال.فإن كان مدركا بالقلب فهو محبوب القلب.و مثال هذا في المشاهدة حب الأنبياء،و العلماء،و ذوي المكارم السنية و الأخلاق المرضية،فإن ذلك متصور مع تشوش صورة الوجه و سائر الأعضاء،و هو المراد بحسن الصورة الباطنة،و الحس لا يدركه.نعم يدرك بحسن آثاره الصادرة منه الدالة عليه،حتى إذا دل القلب عليه مال القلب إليه فأحبه،فمن يحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،أو الصديق رضي اللّه تعالى عنه،أو الشافعي رحمة اللّه عليه،فلا يحبهم إلا لحسن ما ظهر له منهم،و ليس ذلك لحسن صورهم،و لا لحسن أفعالهم،بل دل حسن أفعالهم على حسن الصفات التي هي مصدر الأفعال،إذا الأفعال آثار صادرة عنها،و دالة عليها.فمن رأى حسن تصنيف المصنف،و حسن شعر الشاعر،بل حسن نقش النقاش، و بناء البناء،انكشف له من هذه الأفعال صفاتها الجميلة الباطنة التي يرجع حاصلها عند البحث إلى العلم و القدرة.ثم كلما كان المعلوم أشرف و أتم جمالا و عظمة،كان العلم أشرف و أجمل.و كذا المقدور كلما كان أعظم رتبة و أجل منزلة،كانت القدرة عليه أجل رتبة و أشرف قدرا.و أجل المعلومات هو اللّه تعالى،فلا جرم أحسن العلوم و أشرفها معرفة اللّه تعالى و كذلك ما يقاربه و يختص به فشرفه على قدر تعلقه به فإذا جمال صفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعا ترجع إلى ثلاثة أمور:
أحدها:علمهم باللّه،و ملائكته،و كتبه،و رسله،و شرائع أنبيائه و الثاني:قدرتهم على إصلاح أنفسهم و إصلاح عباد اللّه بالإرشاد و السياسة و الثالث:تنزههم عن الرذائل،و الخبائث و الشهوات الغالبة الصارفة عن سنن الخير، الجاذبة إلى طريق الشر.و بمثل هذا يحب الأنبياء،و العلماء،و الخلفاء،و الملوك الذين هم أهل العدل و الكرم.فانسب هذه الصفات إلى صفات اللّه تعالى