إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٣ - بيان
حريصا على استنباطها،لينكشف لك فيه من العجائب ما تستحقر معه العلوم المزخرفة الخارجة عنه فهذا ما أردنا ذكره من معنى الأنس و الانبساط الذي هو ثمرته،و بيان تفاوت عباد اللّه فيه، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم
القول
في معنى الرضا بقضاء اللّه تعالى و حقيقته و ما ورد في فضيلته
اعلم أن الرضا ثمرة من ثمار المحبة،و هو من أعلى مقامات المقربين. و حقيقته غامضة على الأكثرين،و ما يدخل عليه من التشابه و الإيهام غير منكشف إلا لمن علمه اللّه تعالى التأويل،و فهمه و فقهه في الدين.فقد أنكر منكرون تصور الرضا بما يخالف الهوى.ثم قالوا.إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل اللّه.فينبغي أن يرضى بالكفر و المعاصي.و انخدع بذلك قوم،فرأوا الرضا بالفجور و الفسوق،و ترك الاعتراض و الإنكار،من باب التسليم لقضاء اللّه تعالى.و لو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع،لما دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]لابن عباس حيث قال«اللّهم فقّهه في الدّين و علّمه التّأويل» فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا،ثم بحكايات أحوال الراضين،ثم نذكر حقيقة الرضا،و كيفية تصوره فيما يخالف الهوى،ثم نذكر ما يظن أنه من تمام الرضا و ليس منه،كترك الدعاء و السكوت على المعاصي
بيان
فضيلة الرضا
أما من الآيات فقوله تعالى (رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ [١]) و قد قال تعالى (هَلْ جَزٰاءُ الْإِحْسٰانِ إِلاَّ الْإِحْسٰانُ [٢]) و منتهى الإحسان رضا اللّٰه عن عبده،و هو ثواب رضا العبد عن اللّٰه تعالى.و قال تعالى (وَ مَسٰاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّٰاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اللّٰهِ أَكْبَرُ [٣]) فقد رفع اللّٰه الرضا فوق جنات عدن،كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال (إِنَّ الصَّلاٰةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللّٰهِ أَكْبَرُ [٤]) فكما أن مشاهدة المذكور
[١] البينة:٨
[٢] الرحمن:٦٠
[٣] التوبة:٧٢
[٤] العنكبوت:٤٥