إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢ - بيان
تعالى. و عمدة الاشتغال باللّه تعالى عز و جل القلب.فصواب الضعيف ادخار قدر حاجته كما أن صواب القوي ترك الادخار. و هذا كله حكم المنفرد فأما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله،جبرا لضعفهم،و تسكينا لقلوبهم.و ادخار أكثر من ذلك مبطل للتوكل،لأن الأسباب تتكرر عند تكرر السنين.فادخاره ما يزيد عليه سببه ضعف قلبه،و ذلك يناقض قوّة التوكل.فالمتوكل عبارة عن موحد قوي القلب،مطمئن النفس إلى فضل اللّه تعالى واثق بتدبيره دون وجود الأسباب الظاهرة.و قد[١]ادخر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لعياله قوت سنة [٢]و نهى أم أيمن و غيرها أن تدخر له شيئا لغد.[٣]و نهى بلا لا عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها فقال صلى اللّٰه عليه و سلم«أنفق بلا لا و لا تخش من ذي العرش إقلالا» و قال صلى اللّه عليه و سلم[٤]«إذا سئلت فلا تمنع و إذا أعطيت فلا نخبأ» اقتداء بسيد المتوكلين صلى اللّه عليه و سلم[٥] و قد كان قصر أمله بحيث كان إذا بال تيمم مع قرب الماء و يقول«ما يدريني لعلّي لا أبلغه» و قد كان صلى اللّه عليه و سلم لو ادّخر لم ينقص ذلك من توكله،إذ كان لا يثق بما ادخره و لكنه عليه السلام ترك ذلك تعليما للأقوياء من أمته،فإن أقوياء أمته،ضعفاء بالإضافة إلى قوّته و ادخره عليه السلام لعياله سنة لا لضعف قلب فيه و في عياله،و لكن ليسنّ ذلك للضعفاء من أمته.بل أخبر[٦]أن اللّه تعالى يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه،تطييبا لقلوب