إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣ - بيان
الضعفاء،حتى لا ينتهى بهم الضعف إلى اليأس و القنوط،فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات،فما أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلا رحمة للعالمين كلهم على اختلاف أصنافهم و درجاتهم و إذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس و قد لا يضر.و يدل عليه ما روى أبو[١]أمامة الباهلي.أن بعض أصحاب الصفّة توفى فما وجد له كفن،فقال صلى اللّه عليه و سلم «فتشوا ثوبه»فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره.فقال صلى اللّه عليه و سلم«كيّتان» و قد كان غيره من المسلمين يموت و يخلف أموالا و لا يقول ذلك في حقه.و هذا يحتمل وجهين،لأن حاله يحتمل حالين:أحدهما أنه أراد كيتين من النار،كما قال تعالى (فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ [١]و ذلك إذا كان حاله إظهار الزهد و الفقر و التوكل مع الإفلاس عنه،فهو نوع تلبيس. و الثاني أن لا يكون ذلك عن تلبيس،فيكون المعنى به و النقصان عن درجة كماله،كما ينقص من جمال الوجه أثر كيتين في الوجه.و ذلك لا يكون عن تلبيس،فإن كل ما يخلفه الرجل فهو نقصان عن درجته في الآخرة،إذ لا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا نقص بقدره من الآخرة و أما بيان أن الادخار مع فراغ القلب عن المدخر ليس من ضرورته بطلان التوكل فيشهد له ما روي عن بشر،قال الحسين المغازلي من أصحابه:كنت عنده ضحوة من النهار فدخل عليه رجل كهل أسمر خفيف العارضين،فقام إليه بشر،قال و ما رأيته قام لأحد غيره قال و دفع إليّ كفا من دراهم و قال:اشترى لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام الطيب.
و ما قال لي قط مثل ذلك.قال فجئت بالطعام فوضعته فأكل معه،و ما رأيته أكل مع غيره قال فأكلنا حاجتنا.و بقي من الطعام شيء كثير،فأخذه الرجل و جمعه في ثوبه و حمله معه و انصرف.فعجبت من ذلك و كرهته له.فقال لي بشر:لعلك أنكرت فعله؟قلت نعم أخذ بقية الطعام من غير إذن.فقال ذاك أخونا فتح الموصلي،زارنا اليوم من الموصل.
[١] التوبة:٣٥