إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٥ - القول
لإحسانه إليه،و قد يحبه لجلاله و جماله و إن لم يحسن إليه.و المحبون لا يخرجون عن هذين القسمين. و لذلك قال الجنيد:الناس في محبة اللّٰه تعالى عام و خاص.فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه و كثرة نعمه،فلم يتمالكوا أن أرضوه،إلا أنهم تقل محبتهم و تكثر على قدر النعم و الإحسان.فأما ما الخاصة فنالوا المحبة بعظم القدر،و القدرة،و العلم، و الحكمة،و التفرد بالملك.و لما عرفوا صفاته الكاملة،و أسماءه الحسني،لم يمتنعوا أن أحبوه، إذ استحق عندهم المحبة بذلك،لأنه أهل لها،و لو أزال عنهم جميع النعم. نعم من الناس من يحب هواه و عدو اللّٰه إبليس،و هو مع ذلك يلبس على نفسه بحكم الغرور و الجهل،فيظن أنه محب لله عز و جل،و هو الذي فقدت فيه هذه العلامات،أو يلبس بها نفقا،و رياء،و سمعة،و غرضه عاجل حظ الدنيا،و هو يظهر من نفسه خلاف ذلك،كعلماء السوء،و قراء السوء أولئك بغضاء اللّٰه في أرضه.و كان سهل إذا تكلم مع إنسان قال:يا دوست،أي يا حبيب،فقيل له:
قد لا يكون حبيبا،فكيف تقول هذا؟فقال في أذن القائل سرا.لا يخلو إما أن يكون مؤمنا أو منافقا.فإن كان مؤمنا فهو حبيب اللّٰه عز و جل،و إن كان منافقا فهو حبيب إبليس و قد قال أبو تراب النخشبي في علامات المحبة أبياتا:
لا تخدعن فللحبيب دلائل
و لديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعمه بمر بلائه
و سروره في كل ما هو فاعل
فالمنع منه عطية مقبولة
و الفقر إكرام و بر عاجل
و من الدلائل أن ترى من عزمه
طوع الحبيب و إن ألح العاذل
و من الدلائل أن يرى متبسما
و القلب فيه من الحبيب بلابل
و من الدلائل أن يرى متفهما
لكلام من يحظى لديه السائل
و من الدلائل أن يرى متقشفا
متحفظا من كل ما هو قائل
و قال يحيى بن معاذ
و من الدلائل أن تراه مشمرا في خرقتين على شطوط الساحل
و من الدلائل حزنه و نحيبه جوف الظلام فما له من عاذل
و من الدلائل أن تراه مسافرا نحو الجهاد و كل فعل فاضل