إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٦ - بيان
و نظام مملكته من أعلى عليين إلى أسفل السافلين.فإنها خالية عن المزاحمات و المكدرات، متسعة للمتواردين عليها،لا تضيق عنهم بكبرها،و إنما عرضها من حيث التقدير السموات و الأرض،و إذا خرج النظر عن المقدورات فلا نهاية لعرضها،فلا يزال العارف بمطالعتها في جنة عرضها السموات و الأرض،يرتع في رياضها،و يقطف من ثمارها،و يكرع من حياضها،و هو آمن من انقطاعها،إذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة و لا ممنوعة.ثم هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت،إذ الموت لا يهدم محل معرفة اللّه تعالى،و محلها الروح الذي هو أمر رباني سماوى،و إنما الموت يغير أحوالها،و يقطع شواغلها و عوائقها،و يخليها من حبسها،فأما أن يعدمها فلا. (وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ [١]) الآية.و لا تظن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة،فإن للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد.و في الخبر[١]أن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة، و أن الشهداء يتمنون لو كانوا علماء لما يرونه من علو درجة العلماء فإذا جميع أقطار ملكوت السموات و الأرض ميدان العارف،يتبوأ منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرك إليها بجسمه و شخصه،فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنة عرضها السموات و الأرض،و كل عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا،إلا أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم و سعة معارفهم و هم درجات عند اللّه.و لا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر أن لذة الرئاسة و هي باطنة،أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواس كلها، و أن هذه اللذة لا تكون لبهيمة،و لا لصبي،و لا لمعتوه، و أن لذة المحسوسات و الشهوات تكون لذوي الكمال مع لذة الرئاسة و لكن يؤثرون الرئاسة فأما معنى كون معرفة اللّه،و صفاته،و أفعاله،و ملكوت سماواته؛و أسرارهم ملكه
[١] آل عمران:١٦٩،١٧٠