إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٤ - بيان
إلى لذة اللقاء و المشاهدة،كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته،و لا للذة استنشاق روائح الأطعمة الشهية إلى ذوقها،و لا للذة اللمس باليد إلى لذة الوقاع و إظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلا بضرب مثال فنقول:
لذة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا تتفاوت بأسباب أحدها:كمال جمال المعشوق و نقصانه،فإن اللذة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة و الثاني:كمال قوة الحب،و الشهوة و العشق،فليس التذاذ من اشتد عشقه كالتذاذ من ضعفت شهوته و حبه و الثالث:كمال الإدراك،فليس التذاذه برؤية المعشوق في ظلمة،أو من وراء ستر رقيق،أو من بعد،كالتذاذه بإدراكه على قرب من غير ستر،و عند كمال الضوء، و لا إدراك لذة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكها مع التجرد و الرابع:اندفاع العوائق المشوشة و الآلام الشاغلة للقلب،فليس التذاذ الصحيح، الفارغ،المتجرد للنظر إلى المعشوق،كالتذاذ الخائف المذعور،أو المريض المتألم،أو المشغول قلبه بمهم من المهمات.فقدر عاشقا ضعيف العشق،ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد،بحيث يمنع انكشاف كنه صورته،في حالة اجتمع عليه عقارب و زنابير تؤذيه و تلدغه و تشغل قلبه،فهو في هذه الحالة لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة معشوقه فلو طرأت على الفجأه حالة انهتك بها الستر،و أشرق بها الضوء،و اندفع عنه المؤذيات و بقي سليمان فارغا،و هجمت عليه الشهوة القوية و العشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات، فانظر كيف تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتدّ بها فكذلك فافهم نسبة لذة النظر إلى لذة المعرفة.فالستر الرقيق مثال البدن و الاشتغال به،و العقارب و الزنابير مثال الشهوات المتسلطة على الإنسان من الجوع،و العطش، و الغضب،و الغم،و الحزن،و ضعف الشهوة.و الحب مثال لقصور النفس في الدنيا و نقصانها عن الشوق إلى الملإ الأعلى،و التفاتها إلى أسفل السافلين،و هو مثل قصور الصبي عن ملاحظة لذة الرئاسة،و التفاته إلى اللعب بالعصفور و العارف و إن قويت في الدنيا معرفته فلا يخلو عن هذه المشوشات.و لا يتصور أن