إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٨ - القسم الثاني الطاعات
قال:بلغني أنك طينت حائط دارك من جانب الشارع،و قد أخذت قدر سمك الطين،و هو أنملة، من شارع المسلمين،فلا تصلح لنقل العلم.فهكذا كانت مراقبة السلف لأحوال طلاب العلم و هذا و أمثاله مما يلتبس على الأغبياء و أتباع الشيطان،و إن كانوا أرباب الطيالسة و الأكمام الواسعة،و أصحاب الألسنة الطويلة و الفضل الكثير،أعنى الفضل من العلوم التي لا تشتمل على التحذير من الدنيا و الزجر عنها،و الترغيب في الآخرة و الدعاء إليها،بل هي العلوم التي تتعلق بالخلق،و يتوصل بها إلى جمع الحطام،و استتباع الناس،و التقدم على الأقران فإذا قوله عليه السلام«إنما الأعمال بالنيات»يختص من الأقسام الثلاثة بالطاعات و المباحات دون المعاصي،إذا الطاعة تنقلب معصية بالقصد،و المباح ينقلب معصية و طاعة بالقصد.فأما المعصية فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلا.نعم للنية دخل فيها،و هو أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة تضاعف وزرها،و عظم وبالها،كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة
القسم الثاني:الطاعات.
و هي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها ،و في تضاعف فضلها.
أما الأصل فهو أن ينوي بها عبادة اللّٰه تعالى لا غير،فإن نوى الرياء صارت معصية.و أما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة،فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة،فيكون له بكل نية ثواب،إذ كل واحدة منها حسنة.[١]تضاعف كل حسنة عشر أمثالها كما ورد به الخبر،و مثاله القعود في المسجد فإنه طاعة،و يمكن أن ينوي فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين؟و يبلغ به درجات المقربين أولها:أن يعتقد أنه بيت اللّٰه،و أن داخله زائر اللّٰه،فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده به رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم حيث قال[٢]«من قعد في المسجد فقد زار اللّٰه تعالى و حق على المزور إكرام زائره»