إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٧ - القسم الأول المعاصي و هي لا تتغير عن
و أفعاله،و في مطعمه و ملبسه و مسكنه.فيموت هذا العالم و تبقى آثار شره منتشرة في العالم ألف سنة مثلا،و ألفي سنة،و طوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه .ثم العجب من جهله حيث يقول.إنما الأعمال بالنيات،و قد قصدت بذلك نشر علم الدين،فإن استعمله هو في الفساد فالمعصية منه لا منى،و ما قصدت به إلا أن يستعين به على الخير.و إنما حب الرئاسة،و الاستتباع، و التفاخر بعلو العلم،يحسن ذلك في قلبه،و الشيطان بواسطة حب الرئاسة يلبس عليه، و ليت شعري ما جوابه عمن وهب سيفا من قاطع طريق،و أعد له خيلا و أسبابا يستعين بها على مقصوده،و يقول:إنما أردت البذل و السخاء،و التخلق بأخلاق اللّٰه الجميلة،و قصدت به أن يغزو بهذا السيف و الفرس في سبيل اللّٰه،فإن إعداد الخيل،و الرباط،و القوة للغزاة من أفضل القربات،فإن هو صرفه إلى قطع الطريق فهو العاصي.و قد أجمع الفقهاء على أن ذلك حرام، مع أن السخاء هو أحب الأخلاق إلى اللّٰه تعالى،حتى قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم [١]«إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من تقرب إليه بواحد منها دخل الجنة و أحبها إليه السخاء» فليت شعري لم حرم هذا السخاء؟و لم وجب عليه أن ينظر إلى قرينة الحال من هذا الظالم؟ فإذا لاح له من عادته أنه يستعين بالسلاح على الشر فينبغي أن يسعى في سلب سلاحه،لا أن يمده بغيره و العلم سلاح يقاتل به الشيطان و أعداء اللّٰه.و قد يعاون به أعداء اللّٰه عز و جل و هو الهوى.
فمن لا يزال مؤثرا لدنياه على دينه،و لهواه على آخرته،و هو عاجز عنها لقلة فضله،فكيف يجوز إمداده بنوع علم يتمكن به من الوصول إلى شهواته بل لم يزل علماء السلف رحمهم اللّٰه يتفقدون أحوال من يتردد إليهم،فلو رأوا منه تقصيرا في نفل من النوافل أنكروه و تركوا إكرامه،و إذا رأوا منه فجورا و استحلال حرام هجروه،و نفوه عن مجالسهم،و تركوا تكليمه فضلا عن تعليمه،لعلمهم بأن من تعلم مسألة و لم يعمل بها و جاوزها إلى غيرها فليس يطلب إلا آلة الشر،و قد تعوذ جميع السلف بالله من الفاجر العالم بالسنة،و ما تعوذوا من الفاجر الجاهل حكي عن بعض أصحاب أحمد بن حنبل رحمه اللّٰه أنه كان يتردد إليه سنين،ثم اتفق أن أعرض عنه أحمد،و هجره و صار لا يكلمه،فلم يزل يسأله عن تغيره عليه و هو لا يذكره حتى