إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠ - بيان
إلا بالقدر الذي يدرك به من يستحقه و يحتاج إليه،فيدخره على هذه النية.فهذا هو الوفي بموجب التوكل كل تحقيقا،و هي الدرجة العليا الحالة الثانية:المقابلة لهذه،المخرجة له عن حدود التوكل،أن يدخر لسنة فما فوقها.فهذا ليس من المتوكلين أصلا.و قد قيل:لا يدخر من الحيوانات إلا ثلاثة:الفأرة،و النملة.و ابن آدم الحالة الثالثة:أن يدخر لأربعين يوما فما دونها.فهذا هل يوجب حرمانه من المقام المحمود الموعود في الآخرة للمتوكلين؟اختلفوا فيه .فذهب سهل إلى أنه يخرج عن حد التوكل.
و ذهب الخوّاص إلى أنه لا يخرج بأربعين يوما،و يخرج بما يزيد على الأربعين.و قال أبو طالب المكي لا يخرج عن حد التوكل بالزيادة على الأربعين أيضا و هذا اختلاف لا معنى له بعد تجويز أصل الادخار.نعم يجوز أن يظن ظان أن أصل الادخار يناقض التوكل.فأما التقدير بعد ذلك فلا مدرك له.و كل ثواب موعود على رتبة فإنه يتوزع على تلك الرتبة و تلك الرتبة لها بداية و نهاية.و يسمى أصحاب النهايات السابقين،و أصحاب البدايات أصحاب اليمين.ثم أصحاب اليمين أيضا على درجات.و كذلك السابقون.و أعالى درجات أصحاب اليمين تلاصق أسافل درجات السابقين، فلا معنى للتقدير في مثل هذا.بل التحقيق أن التوكل بترك الادخار لا يتم إلا بقصر الأمل و أما عدم آمال البقاء فيبعد اشتراطه و لو في نفس،فإن ذلك كالممتنع وجوده.
أما الناس فمتفاوتون في طول الأمل و قصره.و أقل درجات الأمل يوم و ليلة فما دونه من الساعات.
و أقصاه ما يتصور أن يكون عمر الإنسان.و بينهما درجات لا حصولها.فمن لم يؤمل أكثر من شهر أقرب إلى المقصود ممن يؤمل سنة.و تقييده بأربعين لأجل ميعاد موسى عليه السلام بعيد،فإن تلك الواقعة ما قصد بها بيان مقدار ما رخص الأمل فيه،و لكن استحقاق موسى لنيل الموعود كان لا يتم إلا بعد أربعين يوما،لسرّ جرت به و بأمثاله سنّة اللّه تعالى في تدريج الأمور،كما قال عليه السلام«إنّ اللّه[١]خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا» لأن استحقاق تلك الطينة التخمر كان موقوفا على مدة مبلغها ما ذكر فإذا ما وراء السنة لا يدخر له إلا بحكم ضعف القلب و الركون إلى ظاهر الأسباب،فهو خارج