إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٤ - الأصل الثاني
محب بحبيبه مشغوف،و عن غير حبيبه مصروف .و قد ورد في حب اللّه تعالى من الأخبار و الآثار ما لا يدخل في حصر حاصر،و ذلك أمر ظاهر،و إنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به
بيان
حقيقة المحبة و أسبابها و تحقيق معنى محبة العبد للّٰه تعالى
[البحث في معرفة حقيقة المحبة]
اعلم أن المطلب من هذا الفصل لا ينكشف إلا بمعرفة حقيقة المحبة في نفسها،ثم معرفة شروطها و أسبابها،ثم النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حق اللّه تعالى
فأوّل ما ينبغي أن يتحقق أنه لا يتصوّر محبة إلا بعد معرفة و إدراك،
إذ لا يجب الإنسان إلا ما يعرفه، و لذلك لم يتصوّر أن يتصف بالحب جماد،بل هو من خاصية الحي المدرك ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك و يلائمه و يلذه،و إلى ما ينافيه و ينافره و يؤلمه،و إلى ما لا يؤثر فيه بإيلام و إلذاذ.فكل ما في إدراكه لذة و راحة فهو محبوب عند المدرك،و ما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك،و ما يخلو عن استعقاب ألم و لذة و لا يوصف بكونه محبوبا و لا مكروها.فإذا كل لذيذ محبوب عند الملتذ به و معنى كونه محبوبا أن في الطبع ميلا إليه.و معنى كونه مبغوضا أن في الطبع نفرة عنه.
فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ،فإن تأكد ذلك الميل و قوي سمي عشقا،و البغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب،فإذا قوي سمي مقتا. فهذا أصل في حقيقة معنى الحب لا بد من معرفته
الأصل الثاني:
أن الحب لما كان تابعا للإدراك و المعرفة انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات و الحواس،فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات،و لكل واحد منها لذة في بعض المدركات.و للطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها،فكانت محبوبات عند الطبع السليم.فلذة العين في الإبصار،و إدراك المبصرات الجميلة،و الصور المليحة الحسنة المستلذة و لذة الأذن في النغمات الطيبة الموزونة. و لذة الشم في الروائح الطيبة.و لذة الذوق في الطعوم.
و لذة اللمس في اللين و النعومة.و لما كانت هذه المدركات بالحواس ملذة كانت محبوبة أي كان للطبع السليم ميل إليها.حتى قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«حبّب إليّ من