إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٨ - بيان
ضربا،فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام،فسكنت نفسي فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم اللّٰه من النظر إلى الخلق.ثم من النظر إلى النفس،فإن الملتفت إلى نفسه محجوب عن اللّٰه تعالى،و شغله بنفسه حجاب له،فليس بين القلب و بين اللّٰه حجاب بعد و تخلل حائل،و إنما بعد القلوب شغلها بغيره أو بنفسها،و أعظم الحجب شغل النفس.و لذلك حكي أن شاهدا عظيم القدر من أعيان أهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبي يزيد،فقال له يوما:أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر،و أقوم الليل لا أنام،و لا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئا، و أنا أصدق به و أحبه.
فقال أبو يزيد:و لو صمت ثلاثمائة سنة،و قمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة.قال و لم؟قال لأنك محجوب بنفسك.قال فلهذا دواء؟قال نعم.قال قل لي حتى أعمله.قال لا تقبله.
قال فاذكره لي حتى أعمله.قال اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك و لحيتك،و انزع هذا اللباس و اتزر بعباءة،و علق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا،و أجمع الصبيان حولك،و قل كل من صفعنى صفعة أعطيته جوزة،و ادخل السوق،و طف الأسواق كلها عند الشهود و عند من يعرفك و أنت على ذلك فقال الرجل:سبحان اللّٰه،تقول لي مثل هذا؟فقال أبو زيد قولك سبحان اللّٰه شرك،قال و كيف؟قال لأنك عظمت نفسك فسبحتها و ما سبحت ربك فقال هذا لا أفعله،و لكن دلني على غيره.فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء.فقال لا أطيقه.
قال قد قلت لك إنك لا تقبل.فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو دواء من اعتل بنظره إلى نفسه و مرض بنظر الناس إليه.و لا ينجى من هذا المرض دواء سوى هذا و أمثاله.فمن لا يطيق الدواء فلا ينبغي أن ينكر إمكان الشفاء في حق من دواى نفسه بعد المرض،أو لم يمرض بمثل هذا المرض أصلا فأقل درجات الصحة الإيمان بإمكانها،فويل لمن حرم هذا القدر القليل أيضا و هذه أمور جلية في الشرع واضحة،و هي مع ذلك مستبعدة عند من يعد نفسه من علماء الشرع.فقد قال صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«لا يستكمل العبد الإيمان حتى تكون ملة الشيء أحب إليه من كثرته و حتى يكون أن لا يعرف أحب من أن يعرف» و قد قال