إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٥ - بيان
يخلو عنها البتة.نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال و لا تدوم،فلا جرم يلوح من جمال المعرفة ما يبهت العقل،و تعظم لذته بحيث يكاد القلب يتفطر لعظمته.و لكن يكون ذلك كالبرق الخاطف و قلما يدوم.بل يعرض من الشواغل و الأفكار و الخواطر ما يشوقه و ينغصه،و هذه ضرورة دائمة في هذه الحياة الفانية،فلا تزال هذه اللذة منغصة إلى الموت.و إنما الحياة الطيبة بعد الموت،و إنما العيش عيش الآخرة (وَ إِنَّ الدّٰارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوٰانُ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ [١]. و كل من انتهى إلى هذه الرتبة فإنه يحب لقاء اللّه تعالى،فيحب الموت و لا يكرهه إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة،فإن المعرفة كالبذر،و بحر المعرفة لا ساحل له،فالإحاطة بكنه جلال اللّه محال.فكلما كثرت المعرفة باللّه،و بصفاته و أفعاله،و بأسرار مملكته و قويت،كثر النعيم في الآخرة و عظم، كما أنه كلما كثر البذر و حسن،كثر الزرع و حسن.و لا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا، و لا يزرع إلا في صعيد القلب،و لا حصاد إلا في الآخرة.و لهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«أفضل السّعادات طول العمر في طاعة اللّه» لأن المعرفة إنما تكمل و تكثر و تنسع في العمر الطويل بمداومة الفكر،و المواظبة على المجاهدة،و الانقطاع عن علائق الدنيا،و التجرد للطلب.و يستدعى ذلك زمانا لا محالة فمن أحب الموت أحبه لأنه رأى نفسه واقفا في المعرفة.بالغا إلى منتهى ما يسر له.و من كره الموت كرهه لأنه كان يؤمل مزيد معرفة تحصل له بطول العمر،و رأى نفسه مقصرا عما احتمله قوّته لو عمّر.فهذا سبب كراهة الموت و حبه عند أهل المعرفة،و أما سائر الخلق فنظرهم مقصور على شهوات الدنيا،إن اتسعت أحبوا البقاء،و إن ضاقت تمنوا الموت.و كل ذلك حرمان و خسران مصدره الجهل و الغفلة.فالجهل و الغفلة مغرس كل شقاوة و العلم و المعرفة أساس كل سعادة
[١] العنكبوت:٦٤