إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٠ - بعض عجائب قدرة اللّٰه في خلق البعوضة
المكاشفة.و لا يمكن أن يتطفل به على علوم المعاملة،و لكن يمكن الرمز إلى مثال واحد على الإيجاز ليقع التنبيه لجنسه فنقول.
أسهل الطريقين النظر إلى الأفعال،فلنتكلم فيها و لنترك الأعلى.ثم الأفعال الإلهية كثيرة،فلنطلب أقلها.و أحقرها،و أصغرها،و لننظر في عجائبها.فأقل المخلوقات هو الأرض و ما عليها،أعنى بالإضافة إلى الملائكة و ملكوت السموات،فإنك إن نظرت فيها من حيث الجسم و العظم في لشخص،فالشمس على ما ترى من صغر حجمنها هي مثل الأرض مائة و نيفا و ستين مرة، فانظر إلى صغر الأرض بالإضافة إليها،ثم انظر إلى صغر الشمس بالإضافة إلى فلكها الذي هي مركوزة فيه،فإنه لا نسبة لها إليه،و هي في السماء الرابعة و هي صغيرة بالإضافة إلى ما فوقها من السموات السبع،ثم السموات السبع في الكرسي كحلقة في فلاة،و الكرسي في العرش كذلك، فهذا نظر إلى ظاهر الأشخاص من حيث المقادير،و ما أحقر الأرض كلها بالإضافة إليها،بل ما أصغر الأرض بالإضافة إلى البحار، فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«الأرض في البحر كالإسطبل في الأرض» و مصداق هذا عرف بالمشاهدة و التجربة،و علم أن المكشوف من الأرض عن الماء كجزيرة صغيرة بالإضافة إلى كل الأرض
[بعض عجائب قدرة اللّٰه في خلق البعوضة]
ثم انظر إلى الآدمي المخلقو من التراب الذي هو جزء من الأرض،و إلى سائر الحيوانات، و إلى صغره بالإضافة إلى الأرض،و دع عنك جميع ذلك،فأصغر ما نعرفه من الحيوانات البعوض و النحل و ما يجرى مجراه،فانظر في البعوض على قدر صغر قدره،و تأمله بعقل حاضر و فكر صاف،فانظر كيف خلقه اللّه تعالى على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات، إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه،و خلق له على شكله الصغير سائر الأعضاء كما خلقه للفيل بزيادة جناحين،و انظر كيف قسم أعضاءه الظاهرة،فأنبت جناحه،و أخرج يده و رجله، و شق سمعه و بصره و دبر في باطنه من أعضاء الغذاء و آلاته ما دبره في سائر الحيوانات، و ركب فيها من القوى الغاذية،و الجاذبة،و الدافعة،و الماسكة،و الهاضمة،ما ركب في سائر الحيوانات.هذا في شكله و صفاته.ثم انظر إلى هدايته كيف هداه اللّه تعالى إلى غذائه،