إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠٠ - الصدق الثالث صدق العزم،
الصدق الثاني:في النية و الإرادة.
و يرجع ذلك إلى الإخلاص،و هو أن لا يكون له باعث في الحركات و السكنات إلا اللّٰه تعالى،فإن ما زجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية،و صاحبه يجوز أن يسمى كاذبا،كما روينا في فضيلة الإخلاص من حديث [١]الثلاثة،حين يسئل العالم ما عملت فيما علمت،فقال:فعلت كذا و كذا،فقال اللّٰه تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم،فإنه لم يكذبه،و لم يقل له لم تعمل،و لكنه كذبه في إرادته و نيته.
و قد قال بعضهم:الصدق صحة التوحيد في القصد. و كذلك قول اللّٰه تعالى (وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ [١]) و قد قالوا إنك لرسول اللّٰه،و هذا صدق،و لكن كذبهم لا من حيث نطق اللسان،بل من حيث ضمير القلب،و كان التكذيب يتطرق إلى الخبر،و هذا القول يتضمن إخبارا بقرينة الحال،إذ صاحبه يظهر من نفسه أن يعتقد ما يقول،فكذب في دلالته بقرينة الحال على ما في قلبه.فإنه كذب في ذلك و لم يكذب فيما يلفظ به.فيرجع أحد معانى الصدق إلى خلوص النية و هو الإخلاص،فكل صادق فلا بد و أن يكون مخلصا
الصدق الثالث:صدق العزم،
فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل،فيقول في نفسه.إن رزقني اللّٰه ما لا تصدقت بجميعه،أو بشطره،أو إن لقيت عدوا في سبيل اللّٰه تعالى قاتلت و لم أبال و إن قتلت،و إن أعطاني اللّٰه تعالى ولاية عدلت فيها و لم أعص اللّٰه تعالى بظلم و ميل إلى خلق فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه،و هي عزيمة جازمة صادقة ،و قد يكون في عزمه نوع ميل،و تردد،و ضعف يضاد الصدق في العزيمة،فكان الصدق هاهنا عبارة عن التمام و القوة،كما يقال لفلان شهوة صادقة،و يقال هذا المريض شهوته كاذبة،مهما لم تكن شهوته عن سبب ثابت قوي،أو كانت ضعيفة.فقد يطلق الصدق و يراد به هذا المعنى و الصادق و الصديق هو الذي تصادف عزيمته في الخيرات كلها قوة تامة،ليس فيها ميل و لا ضعف و لا تردد،بل تسخو نفسه أبدا بالعزم المصمم الجازم على الخيرات.و هو كما قال عمر رضي اللّٰه عنه :لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر رضي اللّٰه عنه فإنه قد وجد من نفسه العزم الجازم و المحبة الصادقة بأنه لا يتأمر مع وجود أبي بكر رضي اللّٰه عنه و أكد ذلك بما ذكره من القتل
[١] المنافقون:١٠