إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٣ - بيان
و هذه خاصية هذا الشكل. فانظر كيف ألهم اللّه تعالى النحل على صغر جرمه،و لطافة قده،لطفا به و عناية بوجوده و ما هو محتاج إليه ليتهنأ بعيشه،فسبحانه ما أعظم شأنه،و أوسع لطفه و امتنانه فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات،و دع عنك عجائب ملكوت الأرض و السموات،فإن القدر الذي بلغه فهمنا القاصر منه تنقضي الأعمار دون إيضاحه و لا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به العلماء و الأنبياء،و لا نسبة لما أحاط به علم الخلائق كلهم إلى ما استأثر اللّه تعالى بعلمه.بل كل ما عرفه الخلق لا يستحق أن يسمى علما في جنب علم اللّه تعالى فبالنظر في هذا و أمثاله تزداد المعرفة الحاصلة بأسهل الطريقين،و بزيادة المعرفة تزداد المحبة،فإن كنت طالبا سعادة لقاء اللّه تعالى فانبذ الدنيا وراء ظهرك،و استغرق العمر في الذكر الدائم و الفكر اللازم، فعساك تحظى،منها بقدر يسير،و لكن تنال بذلك اليسير ملكا عظيما لا آخر له
بيان
السبب في تفاوت الناس في الحب
اعلم أن المؤمنين مشتركون في أصل الحب لاشتراكهم في أصل المحبة،و لكنهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة و في حب الدنيا،إذ الأشياء إنما تتفاوت بتفاوت أسبابها، و أكثر الناس ليس لهم من اللّه تعالى إلا الصفات و الأسماء التي قرعت سمعهم،فتلقنوها و حفظوها و ربما تخيلوا لها معانى يتعالى عنها رب الأرباب،و ربما لم يطلعوا على حقيقتها و لا تخيلوا لها معنى فاسدا،بل آمنوا بها إيمان تسليم و تصديق،و اشتغلوا بالعمل و تركوا البحث،و هؤلاء هم أهل السلامة من أصحاب اليمين،و المتخيلون هم الضالون،و العارفون بالحقائق هم المقربون.
و قد ذكر اللّه حال الأصناف الثلاثة في قوله تعالى (فَأَمّٰا إِنْ كٰانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحٰانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ [١]) الآية. فإن كنت لا تفهم الأمور إلا بالأمثلة فلنضرب لتفاوت الحب مثالا فنقول.
أصحاب الشافعي مثلا يشتركون في حب الشافعي رحمه اللّٰه،الفقهاء منهم و العوام، لأنهم مشتركون في معرفة فضله،و دينه،و حسن سيرته،و محامد خصاله.و لكن العامي
[١] الواقعة:٨٨،٨٩