إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠٣
واقف على هيئة الخشوع في صلاته،ليس يقصد به مشاهدة غيره،و لكن قلبه غافل عن الصلاة،فمن ينظر إليه يراه قائما بين يدي اللّٰه تعالى،و هو بالباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته.فهذه أعمال تعرب بلسان الحال عن الباطن إعرابا هو فيه كاذب و هو مطالب بالصدق في الأعمال.و كذلك قد يمشى الرجل على هيئة السكون و الوقار،و ليس باطنه موصوفا بذلك الوقار،فهذا غير صادق في عمله،و إن لم يكن ملتفتا إلى الخلق، و لا مرائيا إياهم و لا ينجو من هذا إلا باستواء السريرة و العلانية،بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيرا من ظاهره.و من خيفة ذلك اختار بعضهم تشويش الظاهر،و لبس ثياب الأشرار ،كيلا يظن به الخير بسبب ظاهره،فيكون كاذبا في دلالة الظاهر على الباطن فإذا مخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سميت رياء،و يفوت بها الإخلاص و إن كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق.و لذلك قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم [١]«اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتى و اجعل علا نيتى صالحة»و قال يزيد بن الحارث :إذا استوت سريرة العبد و علانيته فذلك النصف.و إن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل.و إن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور.و أنشدوا.
إذا السر و الإعلان في المؤمن استوى
فقد عز في الدارين و استوجب الثنا
فإن خالف الإعلان سرا فما له
على سعيه فضل سوى الكد و العنا
فما خالص الدينار في السوق نافق
و مغشوشه المردود لا يقتضي المنى
و قال عطية بن عبد الغافر .إذا وافقت سريرة المؤمن علانية باهى اللّٰه به الملائكة،يقول:
هذا عبدي حقا:و قال معاوية بن قرة:من يدلني على بكاء بالليل بسام بالنهار!و قال عبد الواحد ابن زيد:كان الحسن إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به،و إذا نهى عن شيء كان من أترك الناس له،و لم أر أحدا قط أشبه سريرة بعلانية منه و كان أبو عبد الرحمن الزاهد يقول:إلهى،عاملت الناس فيما بيني و بينهم بالأمانة و عاملتك فيما بيني و بينك بالخيانة،و يبكى.و قال أبو يعقوب النهرجورى:الصدق موافقة الحق في السر و العلانية،فإذا مساواة السريرة للعلانية أحد أنواع الصدق
الصدق السادس: و هو أعلى الدرجات و أعزها،الصدق في مقامات الدين،
كالصدق