إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠١ - الصدق الرابع في الوفاء بالعزم
و مراتب الصديقين في العزائم تختلف،فقد يصادف العزم و لا ينتهى به إلى أن يرضى بالقتل فيه،و لكن إذا خلي و رأيه لم يقدم،و لو ذكر له حديث القتل لم ينقض عزمه بل في الصادقين و المؤمنين من لو خير بين أن يقتل هو أو أبو بكر كانت حياته أحب إليه من حياة أبي بكر الصديق
الصدق الرابع:في الوفاء بالعزم.
فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال،إذ لا مشقة في الوعد و العزم،و المؤنة فيه خفيفة،فإذا حقت الحقائق،و حصل التمكن،و هاجت الشهوات انحلت العزيمة،و غلبت الشهوات،و لم يتفق الوفاء بالعزم.و هذا يضاد الصدق فيه.و لذلك قال اللّٰه تعالى (رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْه ِ [١]) فقد روي[١]عن أنس أن عمه أنس بن النضر لم يشهد بدرا مع رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم،فشق ذلك على قلبه و قال:
أول مشهد شهده رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم غبت عنه،أما و اللّٰه لئن أرانى اللّٰه مشهدا مع رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم ليرين اللّٰه ما أصنع.قال فشهد أحدا في العام القابل،فاستقبله سعد بن معاذ فقال:يا أبا عمرو إلى أين؟فقال و لها لريح الجنة،إنى أجد ريحها دون أحد.فقاتل حتى قتل،فوجد في جسده بضع و ثمانون،ما بين رمية،و ضربة،و طعنة.فقالت أخته بنت النضر:ما عرفت أخي إلا بثيابه.فنزلت هذه الآية (رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ [٢]) و وقف رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم على[٢] مصعب بن عمير،و قد سقط على وجهه يوم أحد شهيدا و كان صاحب لواء رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم فقال عليه السلام (رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [٣]) .و قال[٣]فضالة بن عبيد :سمعت
[١] الأحزاب:٢٣
[٢] الأحزاب:٢٣
[٣] الأحزاب:٢٣