إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩١ - بيان
إلى ظاهر العبادة و اغتراره بها،كنظر السوادي إلى حمرة الدينار المموه و استدارته،و هو مغشوش زائف في نفسه،و قيراط من الخالص الذي يرتضيه الناقد البصير،خير من دينار يرتضيه الغر الغبي فهكذا يتفاوت أمر العبادات،بل أشد و أعظم و مداخل الآفات المتطرقة إلى فنون الأعمال،لا يمكن حصرها و إحصاؤها،فلينتفع بما ذكرناه مثالا،و الفطن بغنيه القليل عن الكثير،و البليد لا يغنيه التطويل أيضا،فلا فائدة في التفصيل
بيان
حكم العمل المشوب و استحقاق الثواب به
اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصا لوجه اللّٰه تعالى،بل امتزج به شوب من الرياء أو حظوظ النفس،فقد اختلف الناس في إن ذلك هل يقتضي ثوابا،أم يقتضي عقابا،أم لا يقتضي شيئا أصلا،فلا يكون له و لا عليه،و أما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعا،و هو سبب المقت و العقاب ،و أما الخالص لوجه اللّٰه تعالى فهو سبب الثواب ،و إنما النظر في المشوب و ظاهر[١]الأخبار تدل على أنه لا ثواب له،و ليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه ،و الذي ينقدح لنا فيه،و العلم عند اللّٰه، أن ينظر إلى قدر قوة الباعث،فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما و تساقطا،و صار العمل لا له و لا عليه،و إن كان باعث الرياء أغلب و أقوى فهو ليس بنافع،و هو مع ذلك مضر و مفض للعقاب، نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء،و لم يمتزج به شائبة التقرب،و إن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني،و هذا لقوله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [١])
[١] الزلزلة:٧،٨