إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٢ - عجائب قدرة اللّٰه في النحل
فليت كان جهل الآدمي كجهل الفراش،فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال،و الآدمي يبقى في النار أبدا الآباد أو مدة مديدة. و لذلك كان ينادى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم و يقول[١]«إنى ممسك بحجزكم عن النار و أنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش» فهذه لمعة عجيبة من عجائب صنع اللّٰه تعالى في أصغر الحيوانات،و فيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون و الآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن حقيقته،و لم يطلعوا على أمور جلية من ظاهر صورته.فأما خفايا معانى ذلك فلا يطلع عليها إلا اللّه تعالى
[عجائب قدرة اللّٰه في النحل]
ثم في كل حيوان و نبات أعجوبة و أعاجيب تخصه لا يشاركه فيها غيره.فانظر إلى النحل و عجائبها،و كيف أوحى اللّه تعالى إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا و من الشجر و مما يعرشون و كيف استخرج من لعابها الشمع و العسل،و جعل أحدهما ضياء،و جعل الآخر شفاء. ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار و الأنوار،و احترازها عن النجاسات و الأقذار،و طاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصا،و هو أميرها،ثم ما سخر اللّه تعالى له أميرها من العدل و الإنصاف بينها،حتى أنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة لقضيت منها عجبا آخر العجب إن كنت يصيرا في نفسك،و فارغا من هم بطنك و فرجك، و شهوات نفسك في معاداة أقرانك و موالاة إخوانك. ثم دع عنك جميع ذلك،و انظر إلى بنائها بيوتها من الشمع،و اختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس فلا تبنى بيتا مستديرا،و لا مربعا،و لا مخمسا،بل مسلسا،لخاصية في الشكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن دركها،و هو أن أوسع الأشكال و أحواها المستديرة و ما يقرب منها،فإن المربع يخرج منه زوايا ضائعة،و شكل النحل مستدير مستطيل،فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة،ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة،فإن الأشكال المستديرة إذا جمعت لم تجتمع متراصة،و لا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير.ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس