إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٤ - بيان
يعرف علمه مجملا،و الفقيه يعرفه مفصلا.فتكون معرفة الفقيه به أتم،و إعجابه به و حبه له أشد. فإن من رأى تصنيف مصنف فاستحسنه و عرف به فضله،أحبه لا محالة،و مال إليه قلبه.فإن رأى تصنيفا آخر أحسن منه و أعجب،تضاعف لا محالة حبه،لأنه تضاعفت معرفته بعلمه.و كذلك يعتقد الرجل في الشاعر أنه حسن الشعر فيحبه،فإذا سمع من غرائب شعره ما عظم فيه حذقه و صنعته ازداد به معرفة،و ازداد له حبا.و كذا سائر الصناعات و الفضائل.و العامي قد يسمع أن فلانا مصنف،و أنه حسن التصنيف،و لكن لا يدرى ما في التصنيف.فيكون له معرفة مجملة،و يكون له بحسبه ميل مجمل.و البصير إذا فتش عن التصانيف،و اطلع على ما فيها من العجائب،تضاعف حبه لا محالة،لأن عجائب الصنعة و الشعر و التصنيف تدل على كمال صفات الفاعل و المصنف.و العالم بجملته صنع اللّٰه تعالى و تصنيفه،و العامي يعلم ذلك و يعتقده. و أما البصير فإنه يطالع تفصيل صنع اللّٰه تعالى فيه، حتى يرى في البعوض مثلا من عجائب صنعه ما ينبهر به عقله،و يتحير فيه لبه،و يزداد بسببه لا محالة عظمة اللّٰه و جلاله و كمال صفاته في قلبه،فيزداد له حبا.و كلما ازداد على أعاجيب صنع اللّٰه اطلاعا،استدل بذلك على عظمة اللّٰه الصانع و جلاله،و ازداد به معرفة و له حبا و بحر هذه المعرفة،أعنى معرفة عجائب صنع اللّٰه تعالى،بحر لا ساحل له،فلا جرم تفاوت أهل المعرفة في الحب لا حصر له و مما يتفاوت بسببه الحب اختلاف الأسباب الخمسة التي ذكرناها للحب،فإن من يحب اللّٰه مثلا لكونه محسنا إليه،منعما عليه،و لم يحبه لذاته،ضعفت محبته.إذ تتغير بتغير الإحسان،فلا يكون حبه في حالة البلاء كحبه في حالة الرضا و النعماء و أما من يحبه لذاته، و لأنه مستحق للحب بسبب كماله و جماله و مجده و عظمته.فإنه لا يتفاوت حبه بتفاوت الإحسان إليه فهذا و أمثاله هو سبب تفاوت الناس في المحبة،و التفاوت في المحبة هو السبب للتفاوت في سعادة الآخرة،و لذلك قال تعالى (وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجٰاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلاً [١])
[١] الاسراء:٢١