إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٦ - بيان
إلا و هو شاهد عليه،و على عظمته و جلاله، إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها،و لا حركتها بذاتها،و أنها تحتاج إلى موجد و محرك لها،يشهد بذلك أو لا تركيب أعضائنا،و ائتلاف عظامنا،و لحومنا،و أعصابنا،و منابت شعورنا،و تشكل أطرافنا،و سائر أجزائنا الظاهرة و الباطنة،فإنا نعلم أنها لم تأتلف بأنفسها،كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها،و لكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك،و محسوس،و معقول،و حاضر، و غائب،إلا و هو شاهد و معرف،عظم ظهوره،فانبهرت العقول و دهشت عن إدراكه، فطن ما تقصر عن فهمه عقولنا فله سببان:
أحدهما:خفاؤه في نفسه و غموضه،و ذلك لا يخفى مثاله.
و الآخر:ما يتناهى وضوحه،و هذا كما أن الخفاش يبصر بالليل و لا يبصر بالنهار،لا لخفاء النهار و استتاره،لكن لشدة ظهوره،فإن بصر الخفاش ضعيف يبهر نوره الشمس إذا أشرقت.
فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره،فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الضوء بالضلام و ضعف ظهوره فكذلك عقولنا ضعيفة،و جمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق و الاستنارة،و في غاية الاستغراق و الشمول،حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات و الأرض،فصار ظهوره سبب خفائه،فسبحان من احتجب بإشراق نوره.و اختفى عن البصائر و الأبصار بظهوره و لا يتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور،فإن الأشياء تستبان بأضدادها،و ما عم وجوده حتى أنه لا ضد له عسر إدراكه،فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون بعض أدركت التفرقة على قرب،و لما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر، و مثاله نور الشمس المشرق على الأرض،فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض يحدث في الأرض، و يزول عند غيبة الشمس.فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها،لكنا نظن أنه لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها،و هي السواد و البياض و غيرهما؛فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد،و في الأبيض إلا البياض.فأما الضوء فلا ندركه وحده.و لكن لما غابت الشمس و أظلمت المواضع،أدركنا تفرقة بين الحالين،فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء،و اتصفت بصفة فارقها عند الغروب،فعرفنا وجود النور بعدمه،و ما كنا نطلع