إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٣ - و أما السبب الثاني و هو حبه من أحسن إليه،
و الأجسام الكثيفة.كما أن نور الشمس و عينها و شكلها و صورتها أيضا حاصل من قدرة اللّه تعالى،و لكن الغرض من الأمثلة التفهيم،فلا يطلب فيها الحقائق،فإذا إن كان حب الإنسان نفسه ضروريا،فحبه لمن به قوامه أولا و دوامه ثانيا،في أصله و صفاته،و ظاهره و باطنه،و جواهره و أعراضه أيضا ضروري أن عرف ذلك كذلك،و من خلا عن هذا الحب،فلأنه اشتغل بنفسه و شهواته و ذهل عن ربه و خالقه فلم يعرفه حق معرفته و قصر نظره على شهواته و محسوساته،و هو عالم الشهادة الذي يشاركه البهائم في التنعم به،و الاتساع فيه دون عالم الملكوت،الذي لا يطأ أرضه،إلا من يقرب إلى شبه من الملائكة،فينظر فيه بقدر قربه في الصفات من الملائكة،و يقصر عنه بقدر انحطاطه إلى حضيض عالم البهائم
و أما السبب الثاني:و هو حبه من أحسن إليه،
فواساه بماله و لاطفه بكلامه،و أمدّه بمعونته،و انتدب لنصرته و قمع أعدائه،و قام بدفع شرّ الأشرار عنه،و انتهض وسيلة إلى جميع حظوظه و أغراضه في نفسه و أولاده و أقاربه،فإنه محبوب لا محالة عنده،و هذا بعينه يقتضي أن لا يجب إلا اللّه تعالى،فإنه لو عرف حق المعرفة لعلم أن المحسن إليه هو اللّه تعالى فقط،فأما أنواع إحسانه إلى كل عبيده فلست أعدّها،إذ ليس يحيط بها حصر حاصر كما قال تعالى (وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا [١]) و قد أشرنا إلى طرف منه في كتاب الشكر،و لكنا نقتصر الآن على بيان أن الإحسان من الناس غير متصور إلا بالمجاز.و إنما المحسن هو اللّه تعالى،و لنفرض ذلك فيمن أنعم عليك بجميع خزائنه.و مكنك منها لتتصرف فيها كيف تشاء،فإنك تظن أن هذا الإحسان منه و هو غلط،فإنه إنما تمّ إحسانه به و بماله و بقدرته على المال و بداعيته الباعثة له على صرف المال إليك.فمن الذي أنعم بخلقه،و خلق ماله.و خلق قدرته،و خلق إرادته و داعيته؛و من الذي حببك إليه و صرف وجهه إليك.و ألقى في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في الإحسان إليك،و لو لا كل ذلك لما أعطاك حبة من ماله.و مهما سلط اللّه عليه الدواعي،و قرّر في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في أن يسلم إليك ماله كان مقهورا مضطرا في التسليم لا يستطيع مخالفته،فالمحسن هو الذي اضطرّه لك و سخره.و سلط عليه الدواعي الباعثة المرهقة إلى الفعل.و أما يده
[١] النحل:١٨