إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٩ - السبب الثاني لقوّة المحبة قوّة معرفة اللّه تعالى و اتساعها،
و في صفاته،و في ملكوت سماواته و سائر مخلوقاته و الواصلون إلى هذه الرتبة ينقسمون إلى الأقوياء،و يكون أول معرفتهم للّٰه تعالى،ثم به يعرفون غيره،و إلى الضعفاء،و يكون أول معرفتهم بالأفعال،ثم يترقون منها إلى الفاعل و إلى الأول الإشارة بقوله تعالى (أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [١]) و بقوله تعالى (شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ [٢]) و منه نظر بعضهم حيث قيل له بم عرفت ربك قال:
عرفت ربي بربي،و لو لا ربي لما عرفت ربي، و إلى الثاني الإشارة بقوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [٣]) الآية و بقوله عز و جل (أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ [٤]) و بقوله تعالى (قُلِ انْظُرُوا مٰا ذٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ [٥]) و بقوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ طِبٰاقاً مٰا تَرىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمٰنِ مِنْ تَفٰاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرىٰ مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خٰاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ [٦]) و هذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين،و هو الأوسع على السالكين،و إليه أكثر دعوة القرءان عند الأمر بالتدبر،و التفكر،و الاعتبار و النظر في آيات خارجة عن الحصر فإن قلت:كلا الطريقين مشكل،فأوضح لنا منهما ما يستعان به على تحصيل المعرفة و التوصل به إلى المحبة،فاعلم أن الطريق الأعلى هو الاستشهاد بالحق سبحانه على سائر الخلق فهو غامض،و الكلام فيه خارج عن حدّ فهم أكثر الخلق،فلا فائدة في إيراده في الكتب و أما الطريق الأسهل الأدنى فأكثره غير خارج عن حد الأفهام،و إنما قصرت الأفهام عنه لإعراضها عن التدبر،و اشتغالها بشهوات الدنيا و حظوظ النفس،و المانع من ذكر هذا اتساعه و كثرته،و انشعاب أبوابه الخارجة عن الحصر و النهاية،إذ ما من ذرة من أعلى السموات إلى تخوم الأرضين إلا و فيها عجائب آيات تدل على كمال قدرة اللّه تعالى و كمال حكمته،و منتهى جلاله و عظمته،و ذلك مما لا يتناهى (قُلْ لَوْ كٰانَ الْبَحْرُ مِدٰاداً لِكَلِمٰاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمٰاتُ رَبِّي [٧]) فالخوض فيه انغماس في بحار علوم
[١] فصلت:٥٣
[٢] آل عمران:١٨
[٣] الأعراف:١٨٥
[٤] فصلت:٥٣
[٥] يونس:١٠١
[٦] الملك:٣،٤
[٧] الكهف:١٠٩