إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٩ - بيان
فمن كان في مشاهدة محبوبه مداوما للنظر إليه لا يتصور أن يكون له شوق. و لكن الشوق إنما يتعلق بما أدرك من وجه و لم يدرك من وجه،و هو من وجهين لا ينكشف إلا بمثال من المشاهدات،فنقول مثلا من غاب عنه معشوقة،و بقي في قلبه خياله،فيشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية،فلو انمحى عن قلبه ذكره،و خياله،و معرفته حتى نسيه،لم يتصور أن يشتاق إليه.و لو رآه لم يتصور أن يشتاق في وقت الرؤية.فمعنى شوقه تشوق نفسه إلى استكمال خياله،فكذلك قد يراه في ظلمة بحيث لا ينكشف له حقيقة صورته،فيشتاق إلى استكمال رؤيته.و تمام الانكشاف في صورته بإشراق الضوء عليه و الثاني:أن يرى وجه محبوبه و لا يرى شعره مثلا و لا سائر محاسنه،فيشتاق لرؤيته و إن لم يرها قط،و لم يثبت في نفسه خيال صادر عن الرؤية،و لكنه يعلم أن له عضوا و أعضاء جميلة،و لم يدرك تفصيل مجالها بالرؤية.فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط و الوجهان جميعا متصوران في حق اللّٰه تعالى،بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين، فإن ما اتضح للعارفين من الأمور الإلهية و إن كان في غاية الوضوح، فكأنه من وراء ستر رقيق،فلا يكون متضحا غاية الاتضاح،بل يكون مشوبا بشوائب التخيلات،فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن التمثيل و المحاكاة لجميع المعلومات،و هي مكدرات للمعارف و منغصات.
و كذلك ينضاف إليها شواغل،الدنيا،فإنما كمال الوضوح بالمشاهدة و تمام إشراق التجلي، و لا يكون ذلك إلا في الآخرة،و ذلك بالضرورة يوجب الشوق،فإنه منتهى محبوب العارفين.
فهذا أحد نوعي الشوق،و هو استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا ما الثاني:أن الأمور الإلهية لا نهاية لها، و إنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها،و تبقى أمور لا نهاية لها غامضة،و العارف يعلم وجودها،و كونها معلومة للّٰه تعالى،و يعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر،فلا يزال متشوقا إلى أن يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل مما بقي من المعلومات التي لم يعرفها أصلا،لا معرفة واضحة و لا معرفة غامضة و الشوق الأول ينتهى في الدار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية،و لقاء،و مشاهدة، و لا يتصور أن يسكن في الدنيا.و قد كان إبراهيم بن أدهم من المشتاقين فقال:قلت ذات