إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٤ - القول
و لكن المعرفة قد تضعف،و الشهوة قد تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة،و يدل عليه ما روي[١]أن نعيمان كان يؤتى به رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم في كل قليل فيحده في معصية يرتكبها،إلى أن أتى به يوما فحده.فلعنه رجل و قال ما أكثر ما يؤتى به رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم فقال صلى اللّٰه عليه و سلم«لا تلعنه فإنه يحب اللّٰه و رسوله»فلم يخرجه بالمعصية عن المحبة. نعم تخرجه المعصية عن كمال الحب،و قد قال بعض العارفين.إذا كان الإيمان في ظاهر القلب أحب اللّٰه تعالى حبا متوسطا،فإذا دخل سويداء القلب أحبه الحب البالغ،و ترك المعاصي و بالجملة في دعوى المحبة خطر،و لذلك قال الفضيل.إذا قيل لك أ تحب اللّٰه تعالى فاسكت،فإنك إن قلت لا كفرت،و إن قلت نعم فليس وصفك وصف المحبين،فاحذر المقت.و لقد قال بعض العلماء.ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة و المحبة،و لا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة و المحبة و لم يتحقق بشيء من ذلك و منها أن يكون مستهترا بذكر اللّٰه تعالى،لا يفتر عنه لسانه،و لا يخلو عنه قلبه،فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره، و ذكر ما يتعلقه به،فعلامة حب اللّٰه حب ذكره و حب القرءان الذي هو كلامه،و حب رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم، و حب كل من ينسب إليه.فإن من يحب إنسانا يحب كلب محلته،فالمحبة إذا قويت تعدت من المحبوب إلى كل ما يكتنف بالمحبوب و يحيط به و يتعلق بأسبابه،و ذلك ليس شركة في الحب،فإن من أحب رسول المحبوب لأنه رسوله،و كلامه لأنه كلامه،فلم يجاوز حبه إلى غيره،بل هو دليل على كمال حبه.و من غلب حب اللّٰه على قلبه أحب جميع خلق اللّٰه،لأنهم خلقه، فكيف لا يحب القرءان،و الرسول،و عباد اللّٰه الصالحين! و قد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب الأخوة و الصحبة،و لذلك قال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ [١]) و قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم[٢]«أحبوا اللّٰه لما يغذوكم به من نعمه و أحبونى للّٰه تعالى» و قال سفيان:من أحب من يحب اللّٰه تعالى فإنما أحب اللّٰه.و من أكرم من يكرم اللّٰه تعالى
[١] آل عمران ٣١