إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٨ - السبب الثاني لقوّة المحبة قوّة معرفة اللّه تعالى و اتساعها،
أوضح من الإبصار بالعين.و سبيل قلع حب الدنيا من القلب سلوك طريق الزهد، و ملازمة الصبر،و الانقياد إليهما بزمام الخوف و الرجاء،فما ذكرناه من المقامات كالتوبة و الصبر،و الزهد،و الخوف،و ارجاء،هي مقدمات ليكتسب بها أحد ركني المحبة،و هو تخلية القلب عن غير اللّه،و أوله الإيمان باللّه و اليوم الآخر،و الجنة،و النار،ثم يتشعب منه الخوف و الرجاء،و يتشعب منهما التوبة و الصبر عليهما،ثم ينجر ذلك إلى الزهد في الدنيا،و في المال و الجاه، و كل حظوظ الدنيا،حتى يحصل من جميعه طهارة القلب عن غير اللّه فقط،حتى يتسع بعده لنزول معرفة اللّه و حبه فيه فكل ذلك مقدمات تطهير القلب،و هو أحد ركنى المحبة،و إليه الإشارة بقوله عليه السلام:[١]«الطّهور شطر الإيمان» كما ذكرناه في أول كتاب الطهارة
السبب الثاني:لقوّة المحبة قوّة معرفة اللّه تعالى و اتساعها،
و استيلاؤها على القلب، و ذلك بعد تطهير القلب من جميع شواغل الدنيا و علائقها يجرى مجرى وضع البذر في الأرض بعد تنقيتها من الحشيش،و هو الشرط الثاني.ثم يتولد من هذا البذر شجرة المحبة و المعرفة و هي الكلمة الطيبة التي ضرب اللّه بها مثلا حيث قال (ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي السَّمٰاءِ [١]) و إليها الإشارة بقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [٢]) أي المعرفة (وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ [٣]) فالعمل الصالح كالجمال لهذه المعرفة و كالخادم،و إنما العمل الصالح كله في تطهير القلب أولا من الدنيا،ثم إدامة طهارته فلا يراد العمل إلا لهذه المعرفة.و أما العلم بكيفية العمل فيراد للعمل.فالعلم هو الأول و هو الآخر، و إنما الأول علم المعاملة،و غرضه العمل،و غرض المعاملة صفاء القلب و طهارته ليتضح فيه حلية الحق،و يتزين بعلم المعرفة،و هو علم المكاشفة.و مهما حصلت هذه المعرفة تبعتها المحبة بالضرورة،كما أن من كان معتدل المزاج إذا أبصر الجميل و أدركه بالعين الظاهرة أحبه و مال إليه،و مهما أحبه حصلت اللذة،فاللذة تبع المحبة بالضرورة،و المحبة تبع المعرفة بالضرورة،و لا يوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب إلا بالفكر الصافي و الذكر الدائم،و الجد البالغ في الطلب،و النظر المستمر في اللّه تعالى
[١] إبراهيم:٢٤
[٢] فاطر:١٠
[٣] فاطر:١٠