إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٠ - و أما السبب الخامس للحب فهو المناسبة و المشاكلة،
فسبحان من احتجب عن بصائر العميان غيرة على جماله و جلاله أن يطلع عليه إلا من سبقت له منه الحسني،الذين هم عن نار الحجاب مبعدون،و ترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون و في مسارح المحسوسات و شهوات البهائم يترددون،يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون،الحمد للّٰه بل أكثرهم لا يعلمون فالحب بهذا السبب أقوى من الحب بالإحسان،لأن الإحسان يزيد و ينقص.و لذلك أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام.إن أودّ الأودّاء إليّ من عبدني بغير نوال،لكن ليعطى الربوبية حقها.و في الزبور:من أظلم ممن عبدني لجنة أو نار،لو لم أخلق جنة و لا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع!و مر عيسى عليه السلام على طائفة من العبّاد قد نحلوا فقالوا نخاف النار و نرجوا الجنة،فقال لهم.مخلوقا خفتم و مخلوقا رجوتم.و مرّ بقوم آخرين كذلك فقالوا نعبده حبًّا له و تعظيما لجلاله،فقال.أنتم أولياء اللّه حقا،معكم أمرت أن أقيم.
و قال أبو حازم.إنى لأستحى أن أعبد للثواب و العقاب،فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل،و كالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل. و في الخبر[١]«لا يكوننّ أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل و لا كالعبد السّوء إن لم يخف لم يعمل»
و أما السبب الخامس للحب فهو المناسبة و المشاكلة،
لأن شبه الشيء منجذب إليه،و الشكل إلى الشكل أميل.و لذلك ترى الصبي يألف الصبي،و الكبير يألف الكبير،و يألف الطير نوعه،و ينفر من غير نوعه.و أنس العالم بالعالم أكثر منه بالمحترف،و أنس النجار بالنجار أكثر من أنسه بالفلاح،و هذا أمر تشهد به التجربة،و تشهد له الأخبار و الآثار، كما استقصيناه في باب الأخوة في اللّه من كتاب آداب الصحبة فليطلب منه و إذا كانت المناسبة سبب المحبة فالمناسبة قد تكون في معنى ظاهر،كمناسبة الصبي الصبي في معنى الصبا و قد يكون خفيا حتى لا يطلع عليه،كما ترى من الاتحاد الذي يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال،أو طمع في مال أو غيره،كما أشار إليه النبي صلى اللّه عليه و سلم إذ قال«الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف» فالتعارف هو التناسب،و التناكر هو التباين.