إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٩ - السبب الرابع أن يقصد العبد بترك التداوي استبقاء المرض،
و البلاء أحبّ قوم المرض و اغتنموه،لينالوا ثواب الصبر عليه،فكان منهم من له علة يخفيها و لا يذكرها للطبيب،و يقاسى العلة،و يرضى بحكم اللّه تعالى،و يعلم أن الحق أغلب على قلبه من أن يشغله المرض عنه،و إنما يمنع المرض جوارحه.و علموا أن صلاتهم قعودا مثلا مع الصبر على قضاء اللّه تعالى،أفضل من الصلاة قياما مع العافية و الصحة.ففي الخبر[١] «إنّ اللّه تعالى يقول للملائكته اكتبوا لعبدي صالح.ما كان يعمله فإنّه في وثاقي إن أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه و دما خيرا من دمه و إن توفيته توفيته إلى رحمتي» و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النّفوس» فقيل معناه ما دخل عليه من الأمراض و المصائب.و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ عَسىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [١]) . و كان سهل يقول:ترك التداوي و إن ضعف عن الطاعات و قصر عن الفرائض،أفضل من التداوي لأجل الطاعات.و كانت به علة عظيمة فلم يكن يتداوى منها.و كان يداوي الناس منها.و كان إذا رأى العبد يصلى من قعود.و لا يستطيع أعمال البر من الأمراض،فيتداوى للقيام إلى الصلاة و النهوض إلى الطاعات،يعجب من ذلك و يقول:صلاته من قعود مع الرضا بحاله أفضل من التداوي للقوّة و الصلاة قائما و سئل عن شرب الدواء فقال:كل من دخل في شيء من الدواء فإنما هو سعة من اللّه تعالى لأهل الضعف.و من لم يدخل في شيء منه فهو أفضل،لأنه إن أخذ شيئا من الدواء و لو كان هو الماء البارد يسئل عنه لم أخذه،و من لم يأخذ فلا سؤال عليه.و كان مذهبه و مذهب البصريين تضعيف النفس بالجوع و كسر الشهوات، لعلمهم بأن ذرة من أعمال لقلوب مثل الصبر،و الرضا،و التوكل،أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح.
و المرض لا يمنع من أعمال القلوب إلا إذا كان ألمه غالبا مدهشا.و قال سهل رحمه اللّه:علل الأجسام رحمة،و علل القلوب عقوبة
[١] البقرة:٢١٦