إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٥ - بيان
بأن تكون مؤثرة على غيرها،فإن المخير بين النظر إلى صورة جميلة و التمتع بمشاهدتها،و بين استنشاق روائح طيبة،إذا اختار النظر إلى الصورة الجميلة علم أنها ألذ عنده من الروائح الطيبة.و كذلك إذا حضر الطعام وقت الأكل،و استمر اللاعب بالشطرنج على اللعب و ترك الأكل،فيعلم به أن لذة الغلبة في الشطرنج أقوى عنده من لذة الأكل. فهذا معيار صادق في الكشف عن ترجيح اللذات،فنعود و نقول:
اللذات تنقسم إلى ظاهرة كلذة الحواس الخمس،و إلى باطنة كلذة الرئاسة،و الغلبة،و الكرامة و العلم،و غيرها،إذ ليست هذه اللذة للعين،و لا للأنف،و لا للأذن،و لا للمس،و لا للذوق.و المعاني الباطنة أغلب على ذوي الكمال من اللذات الظاهرة.فلو خير الرجل بين لذة الدجاج السمين و اللوزينج، و بين لذة الرئاسة و قهر الأعداء و نيل درجة الاستيلاء،فإن كان المخير خسيس الهمة،ميت القلب،شديد النهمة،اختار اللحم و الحلاوة،و إن كان عليّ الهمّة،كامل العقل،اختار الرئاسة و هان عليه الجوع و الصبر عن ضرورة القوت أياما كثيرة فاختياره للرئاسة يدل على أنها ألذ عنده من المطعومات الطيبة نعم الناقص الذي لم تكمل معانيه الباطنة بعد كالصبي،أو كالذي ماتت قواه الباطنة كالمعتوه،لا يبعد أن يؤثر لذة المطعومات على لذة الرئاسة.و كما أن لذة الرئاسة و الكرامة أغلب اللذات على من جاوز نقصان الصبا و العته،فلذة معرفة اللّه تعالى،و مطالعة جمال حضرة الربوبية،و النظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرئاسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق،و غاية العبارة عنه أن يقال فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، و إنه أعدلهم ما لا عين رأت،و لا أذن سمعت،و لا خطر على قلب بشر و هذا الآن لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعا،فإنه لا محالة يؤثر التبتل،و التفرد، و الفكر،و الذكر،و ينغمس في بحار المعرفة،و يترك الرئاسة،و يستحقر الخلق الذين يرأسهم لعلمه بفناء رياسته،و فناء من عليه رياسته،و كونه مشوبا بالكدورات التي لا يتصوّر الخلو عنها،و كونه مقطوعا بالموت الذي لا بد من إتيانه مهما أخذت الأرض زخرفها و ازينت و ظن أهلها أنهم قادرون عليها،فيستعظم بالإضافة إليها لذة معرفة اللّه،و مطالعة صفاته و أفعاله