إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٣ - بيان
طبعها.و غريزة شهوة الطعام مثلا خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام،فلا جرم لذتها في نيل هذا الغذاء الذي هو مقتضى طبعها.و كذلك لذة السمع،و البصر،و الشم،في الإبصار،و الاستماع،و الشم.فلا تخلو غريزة من هذه الغرائز،عن ألم و لذة بالإضافة إلى مدركاتها.فكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي،لقوله تعالى (أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [١]) و قد تسمى العقل،و قد تسمى البصيرة الباطنة و قد تسمى نور الإيمان و اليقين،و لا معنى للاشتغال بالأسامى.فإن الاصطلاحات مختلفة،و الضعيف يظن أن الاختلاف واقع في المعاني،لأن الضعيف يطلب المعاني من الألفاظ،و هو عكس الواجب فالقلب مفارق لسائر أجزاء البدن،بصفة بها يدرك المعاني التي ليست متخيلة و لا محسوسة كإدراكه خلق العالم،أو افتقاره إلى خالق قديم؛مدبر حكيم،موصوف بصفات إلهية، و لنسم تلك الغريزة عقلا؛ بشرط أن لا يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة و المناظرة، فقد اشتهر اسم العقل بهذا،و لهذا ذمه بعض الصوفية و إلا فالصفة التي فارق الإنسان بها البهائم،و بها يدرك معرفة اللّه تعالى أعز الصفات،فلا ينبغي أن تذم و هذه الغريزة خلقت ليعلم بها حقائق الأمور كلها،فمقتضى طبعها المعرفة،و العلم و هي لذتها،كما أن مقتضى سائر الغرائز هو لذتها.و ليس يخفى أن في العلم و المعرفة لذة،حتى أن الذي ينسب إلى العلم و المعرفة و لو في شيء خسيس يفرح به،و الذي ينسب إلى الجهل و لو في شيء حقير يغتم به.
و حتى أن الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدي بالعلم و التمدح به في الأشياء الحقيرة،فالعالم باللعب بالشطرنج على خسته لا يطيق السكوت فيه عن التعليم،و ينطلق لسانه بذكر ما يعلمه،و كل ذلك لفرط لذة العلم،و ما يستشعره من كمال ذاته به،فإن العلم من أخص صفات الربوبية،و هي منتهى الكمال و لذلك يرتاح الطبع إذا أثنى عليه بالذكاء و غزارة العلم،لأنه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته و كمال علمه،فيعجب بنفسه و يلتذ به.
ثم ليست لذة العلم بالحراثة و الخياطة كلذة العلم بسياسة الملك و تدبير أمر الخلق،و لا لذة العلم بالنحو و الشعر كلذة العلم باللّه تعالى و صفاته و ملائكته،و ملكوت السموات
[١] الزمر:٢٢