إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤١ - بيان
مسبب الأسباب،فكذلك الدعاء سبب رتبه لله تعالى و أمر به،و قد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جريا على سنة اللّٰه تعالى لا يناقض التوكل،و استقصيناه في كتاب التوكل،فهو أيضا لا يناقض الرضا،لأن الرضا مقام ملاصق للتوكل،و يتصل به.
نعم إظهار البلاء في معرض الشكوى،و إنكار بالقلب على اللّٰه تعالى مناقض للرضا.و إظهار البلاء على سبيل الشكر،و الكشف عن قدرة اللّٰه تعالى لا يناقض و قد قال بعض السلف:من حسن الرضا بقضاء اللّٰه تعالى أن لا يقول هذا يوم حار.أي في معرض الشكاية،و ذلك في الصيف.
فأما في الشتاء فهو شكر.و الشكوى تناقض الرضا بكل حال.و ذم الأطعمة و عيبها يناقض الرضا بقضاء اللّٰه تعالى،لأن مذمة الصنعة مذمة للصانع،و الكل من صنع اللّٰه تعالى و قول القائل.الفقر بلاء و محنة،و العيال هم و تعب،و الاحتراف كد و مشقة،كل ذلك قادح في الرضا.بل ينبغي أن يسلم التدبير لمدبره،و المملكة لمالكها،و يقول ما قاله عمر رضي اللّٰه عنه:لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا،فإنى لا أدرى أيهما خير لي
بيان
أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي و مذمتها لا يقدح في الرضا
اعلم أن الضعيف قد يظن[١]أن نهي رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون،يدل على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي،لأن كل واحد منهما فرار من قضاء اللّٰه تعالى،و ذلك محال:بل العلة في النهي عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون؛أنه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء،و بقي فيه المرضى مهملين، لا متعهد لهم،فيهلكون هزالا و ضرا.و لذلك[٢]شبهه رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم في بعض الأخبار بالفرار من الزحف. و لو كان ذلك للفرار من القضاء لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف.و قد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكل و إذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه.و كذلك مذمة المواضع التي تدعو إلى المعاصي