إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٩ - بيان
يضطره ذلك إلى الشتم لي،حتى إذا شتمني أبغضته و اتخذته عدوا لي.فكل من أحبه أعلم أيضا أنه عدوى،و كل من أبغضه أعلم أنه صديق و محبي.ثم فعل ذلك،و حصل مراده من الشتم الذي هو سبب البغض،و حصل البغض الذي هو سبب العداوة.فحق على كل من هو صادق في محبته،و عالم بشروط المحبة أن يقول:أما تدبيرك في إيذاء هذا الشخص و ضربه و إبعاده،و تعريضك إياه للبغض و العداوة،فأنا محب له،و راض به،فإنه رأيك و تدبيرك،و فعلك و إرادتك.و أما شتمه إياك،فإنه عدوان من جهته،إذ كان حقه أن يصبر و لا يشتم،و لكنه كان مرادك منه.فإنك قصدت بضربه استنطاقه بالشتم الموجب للمقت فهو من حيث إنه حصل على وفق مرادك و تدبيرك الذي دبرته فأنا راض به،و لو لم يحصل لكان ذلك نقصانا في تدبيرك،و تعويقا في مرادك،و أنا كاره لفوات مرادك.و لكنه من حيث إنه وصف لهذا الشخص،و كسب له،و عدوان و تهجم منه عليك على خلاف ما يقتضيه جمالك،إذ كان ذلك يقتضي أن يحتمل منك الضرب و لا يقابل بالشتم،فأنا كاره له من حيث نسبته إليه،و من حيث هو وصف له،لا من حيث هو مرادك و مقتضى تدبيرك و أما بغضك له بسبب شتمك فأنا راض به،و محب له،لأنه مرادك،و أنا على موافقتك أيضا مبغض له،لأن شرط المحب أن يكون لحبيب المحبوب حبيبا،و لعدوه عدوا.و أما بغضه لك فإنى أرضاه من حيث إنك أردت أن يبغضك إذ أبعدته عن نفسك،و سلطت عليه دواعي البغض،و لكي أبغضه من حيث إنه وصف ذلك المبغض و كسبه و فعله، و أمقته لذلك فهو ممقوت عندي لمقته إياك،و بغضه و مقته لك أيضا عندي مكروه من حيث إنه وصفه،و كل ذلك من حيث إنه مرادك فهو مرضي، و إنما التناقض أن يقول:هو من حيث إنه مرادك مرضي،و من حيث إنه مرادك مكروه.و أما إذا كان مكروها لا من حيث إنه فعله و مراده،بل من حيث إنه وصف غيره و كسبه فهذا لا تناقض فيه.و يشهد لذلك كل ما يكره من وجه،و يرضى به من وجه و نظائر ذلك لا تحصى فإذا تسليط اللّٰه دواعي الشهوة و المعصية عليه،حتى يجره ذلك إلى حب المعصية،و يجره الحب إلى فعل المعصية،يضاهي ضرب المحبوب للشخص الذي ضربناه مثلا.ليجره الضرب إلى الغضب،و الغضب إلى الشتم.و مقت اللّٰه تعالى لمن عصاه،و إن كانت معصيته بتدبيره