إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١ - بيان
عن مقام التوكل،غير واثق بإحاطة التدبير من الوكيل الحق بخفايا الأسباب،فإن أسباب الدخل في الارتفاعات و الزكوات تتكرر بتكرر السنين غالبا.و من ادخر لأقل من سنة فله درجة بحسب قصر أمله و من كان أمله شهرين لم تكن درجته كدرجة من أمّل شهرا، و لا درجة من أمل ثلاثة أشهر،بل هو بينهما في الرتبة.و لا يمنع من الادخار إلا قصر الأمل، فالأفضل أن لا يدخر أصلا و إن ضعف قلبه،فكلما قلّ ادخاره كان فضله أكثر.و قد روي في [١]الفقير الذي أمر صلى اللّه عليه و سلم عليا كرم اللّه وجهه و أسامة أن يغسلاه،فغسلاه و كفناه ببردته،فلما دفنه قال لأصحابه«إنّه يبعث يوم القيامة و وجهه كالقمر ليلة البدر و لو لا خصلة كانت فيه لبعث و وجهه كالشّمس و الضّاحية»قلنا و ما هي يا رسول اللّه؟قال«كان صوّاما قواما كثير الذّكر للّٰه تعالى غير أنّه كان إذا جاء الشّتاء ادّخر حلّة الصّيف لصيفه و إذا جاء الصّيف ادّخر حلّة الشّتاء لشتائه»ثم قال صلى اللّه عليه و سلم«بل أقلّ ما أوتيتم اليقين و عزيمة الصبر»الحديث. و ليس الكوز و الشفرة و ما يحتاج إليه على الدوام في معنى ذلك فإن ادخاره لا ينقص الدرجة و أما ثوب الشتاء فلا يحتاج إليه في الصيف.و هذا في حق من لا ينزعج قلبه بترك الادخار،و لا تستشرف نفسه إلى أيدي الخلق،بل لا يلتفت قلبه إلا إلى الوكيل الحق.فإن كان يستشعر في نفسه اضطرابا يشغل قلبه عن العبادة،و الذكر، و الفكر،فالادخار له أولى.بل لو أمسك ضيعة يكون دخلها وافيا بقدر كفايته،و كان لا يتفرغ قلبه إلا به،فذلك له أولى،لأن المقصود إصلاح القلب ليتجرد لذكر اللّه،و رب شخص يشغله وجود المال،و رب شخص يشغله عدمه و المحذور ما يشغل عن اللّه عز و جل و إلا فالدنيا في عينها غير محذورة لا وجودها و لا عدمها.و لذلك بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى أصناف الخلق،و فيهم التجار و المحترفون و أهل الحرف و الصناعات،فلم يأمر التاجر بترك تجارته،و لا المحترف بترك حرفته،و لا أمر التارك لهما بالاشتغال بهما.بل دعا الكل إلى اللّه تعالى،و أرشدهم إلى أن فوزهم و نجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا إلى اللّه