إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٦ - الأصل الثالث
إلا لمقاساة ألم في الحياة. و مهما كان مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء.فإن أحب العدم لم يحبه لأنه عدم،بل لأن فيه زوال البلاء.فالهلاك و العدم ممقوت،و دوام الوجود محبوب و كما أن دوام الوجود محبوب.فكمال الوجود أيضا محبوب.لأن الناقص فاقد للكمال و النقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود،و هو هلاك بالنسبة إليه.و الهلاك و العدم ممقوت في الصفات و كمال الوجود،كما أنه ممقوت في أصل الذات.و وجود صفات الكمال محبوب، كما أن دوام أصل الوجود محبوب.و هذه غريزة في الطباع بحكم سنة اللّه تعالى (وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلاً [١]) فإذا المحبوب الأول للإنسان ذاته،ثم سلامة أعضائه،ثم ماله،و ولده،و عشيرته،و أصدقاؤه.فالأعضاء محبوبة،و سلامتها مطلوبة،لأن كمال الوجود و دوام الوجود موقوف عليها.و المال محبوب،لأنه أيضا آلة في دوام الوجود و كماله،و كذا سائر الأسباب.فالإنسان يحب هذه الأشياء لا لأعيانها،بل لارتباط حظه في دوام الوجود و كماله بها،حتى أنه ليحب ولده و إن كان لا يناله منه حظ،بل يتحمل المشاق لأجله،لأنه يخلفه في الوجود بعد عدمه،فيكون في بقاء نسله نوع بقاء له،فلفرط حبه لبقاء نفسه يحب بقاء من هو قائم مقامه و كأنه جزء منه،لما عجز عن الطمع في بقاء نفسه أبدا.نعم لو خير بين قله و قتل ولده،و كان طبعه باقيا على اعتداله،آثر بقاء نفسه على بقاء ولده.لأن بقاء ولده يشبه بقاءه من وجه،و ليس هو بقاءه المحقق.و كذلك حبه لأقاربه و عشيرته يرجع إلى حبه لكمال نفسه،فإنه يرى نفسه كثيرا بهم،قويا بسببهم، متجملا بكمالهم،فإن العشيرة و المال و الأسباب الخارجة كالجناح المكمل للإنسان، و كمال الوجود و دوامه محبوب بالطبع لا محالة.فإذا المحبوب الأول عند كل حي ذاته و كمال ذاته،و دوام ذلك كله.و المكروه عنده ضد ذلك.فهذا هو أول الأسباب السبب الثاني.الإحسان،فإن الإنسان عبد الإحسان،و قد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها،و بغض من أساء إليها. و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«اللهمّ لا تجعل لفاجر عليّ يدا فيحبه قلبي» إشارة إلى أن حب القلب للمحسن اضطرار لا يستطاع
[١] الأحزاب:٦٢