إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٢ - بيان
فإذا الرؤية حق بشرط أن لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصوّر مخصوص بجهة و مكان،فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علو كبيرا، بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقة تامة من غير تخيل و تصوّر و تقدير شكل و صورة فتراه في الآخرة كذلك.بل أقول المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل،فتبلغ كمال الكشف و الوضوح و تنقلب مشاهدة،و لا يكون بين المشاهدة في الآخرة و المعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف و الوضوح،كما ضربنا من المثال في استكمال الخيال بالرؤية.فإذا لم يكن في معرفة اللّه تعالى إثبات صورة وجهة،فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها و ترقبها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة و صورة،لأنها هي بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف، كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف،و إليه الإشارة بقوله تعالى (نُورُهُمْ يَسْعىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنٰا أَتْمِمْ لَنٰا نُورَنٰا [١]) إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف،و لهذا لا يفوز بدرجة النظر و الرؤية إلا العارفون في الدنيا،لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة،كما تنقلب النواة شجرة،و الحب زرعا.و من لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل!و من لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع!فكذلك من لم يعرف اللّه تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة! و لما كانت المعرفة على درجات متفاوتة،كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة.
فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر.إذ تختلف لا محالة بكثرتها،و قلتها،و حسنها،و قوّتها،و ضعفها.و لذلك قال النبي عليه الصلاة و السلام[١]«إنّ اللّه يتجلّى للنّاس عامّة و لأبي بكر خاصّة» فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة النظر و المشاهدة ما يجده أبو بكر،بل لا يجد إلا عشر عشيرة إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشيره.و لما فضل الناس بسر
[١] الحديد:٢٢