إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥ - بيان
الخروج،و لا بأن يعقل البعير،لأن هذه أسباب عرفت بسنة اللّه تعالى إما قطعا و إما ظنا و لذلك قال صلى اللّه عليه و سلم للأعرابي لما أن أهمل البعير و قال توكلت على اللّه[١]«اعقلها و توكّل» و قال تعالى (خُذُوا حِذْرَكُمْ [١]) و قال في كيفية صلاة الخوف «وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [٢]» و قال سبحانه (وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ [٣]) و قال تعالى لموسى عليه السلام (فَأَسْرِ بِعِبٰادِي لَيْلاً [٤]) و التحصن بالليل اختفاء عن أعين الأعناء و يزع تسبب[٢]و اختفاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الغار احتفاء عن أعين الأعداء دفعا للضرر. و أخذ السلاح في الصلاة ليس دافعا قطعا كقتل الحية و العقرب فإنه دافع قطعا.و لكن أخذ السلاح سبب مظنون،و قد بيّنا أن المظنون كالمقطوع،و إنما الموهوم هو الذي يقتضي التوكل تركه فإن قلت.فقد حكي عن جماعة أن منهم من وضع الأسد يده على كتفه و لم يتحرك، فأقول و قد حكي عن جماعة أنهم ركبوا الأسد و سخروه،فلا ينبغي أن يغرك ذلك المقام فإنه و إن كان صحيحا في نفسه فلا يصلح للاقتداء بطريق التعلم من الغير،بل ذلك مقام رفيع في الكرامات، و ليس ذلك شرطا في التوكل،و فيه أسرار لا يقف عليها من لم ينته إليها فإن قلت:و هل من علامة أعلم بها أنى قد وصلت إليها فأقول الواصل لا يحتاج إلى طلب العلامات و لكن من العلامات على ذلك المقام السابقة عليه أن يسخر لك كلب هو معك في إهابك يسمى الغضب،فلا يزال يعضك و يعض غيرك فإن سخر لك هذا الكلب بحيث إذا هيج و أشلى لم يستشل إلا بإشارتك،و كان مسخرا لك،فربما ترتفع درجتك إلى أن يسخر لك الأسد الذي هو ملك السباع.و كلب دارك أولى بأن يكون مسخرا لك من كلب البوادي،و كلب إهابك أولى بأن يتسخر من كلب دارك فإذا لم يسخر لك الكلب الباطن فلا تطمع في استسخار الكلب الظاهر
[١] النساء:١٠٢
[٢] النساء:١٠٢
[٣] الانفال:٦٠
[٤] الدخان:٣٣