إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٤ - بيان
فتبسم و قال:ليس العجب ممن يرى الخضر،و لكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه و حكي عن الخضر عليه السلام أنه قال:ما حدثت نفسي يوما قط أنه لم يبق ولى لله تعالى إلا عرفته،إلا و رأيت في ذلك اليوم و لما لم أعرفه و قيل لأبي يزيد البسطامي مرة:حدثنا عن مشاهدتك من اللّٰه تعالى.فصاح ثم قال:
ويلكم،لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك.قيل:فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في اللّٰه تعالى فقال:و هذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه.قيل:فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك فقال نعم.دعوت نفسي إلى اللّٰه فجمحت علي،فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة،و لا أذوق النوم سنة،فوفت لي بذلك. و يحكى عن يحيي بن معاذ،أنه رأى أبا يزيد في بعض مشاهداته،من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر،مستوفزا على صدور قدميه،رافعا أخمصيه مع عقبيه عن الأرض،ضاربا بذقنه على صدره،شاخصا بعينيه لا يطرف.قال ثم سجد عند السحر فأطاله،ثم قعد فقال.اللهم إن قوما طلبوك فأعطيتهم المشي على الماء،و المشي في الهواء،فرضوا بذلك.و إنى أعوذ بك من ذلك.و إن قوما طلبوك فأعطيتهم طي الأرض،فرضوا بذلك و إنى أعوذ بك من ذلك.و إن قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض،فرضوا بذلك، و إنى أعوذ بك من ذلك.حتى عد نيفا و عشرين مقاما من كرامات الأولياء. ثم التفت فرآني،فقال يحيى؟قلت نعم يا سيدي.فقال مذمتى أنت هاهنا؟قلت منذ حين.فسكت.فقلت يا سيدي حدثني بشيء.فقال أحدثك بما يصلح لك أدخلنى في الفلك الأسفل،فدورنى في الملكوت السفلى،و أرانى الأرضين و ما تحتها إلى الثرى،ثم أدخلنى في الفلك العلوي،فطوف بي في السموات،و أرانى ما فيها من الجنان إلى العرش ثم أوقفنى بين يديه.فقال سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك،فقلت يا سيدي ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه.فقال أنت عبدي حقا،تعبدني لأجلي صدقا،لأفعلن بك و لأفعلن،فذكر أشياء.قال يحيي:فهالني ذلك و امتلأت به،و عجبت منه،فقلت يا سيدي لم لا سألته المعرفة به،و قد قال لك ملك الملوك سلني ما شئت؟قال فصاح بي صيحة.و قال اسكت ويلك.غرت عليه منى حتى لا أحب أن يعرفه سواه و حكي أن أبا تراب النخشبي كان معجبا ببعض المريدين،فكان يدنيه و يقوم بمصالحه،و المريد مشغول بعبادته و مواجدته،فقال له أبو تراب يوما:لو رأيت أبا يزيد؟فقال:إنى عنه مشغول.