إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٩ - الأصل الرابع في بيان معنى الحسن و الجمال
من تناسب الحروف،و توازيها و استقامة ترتيبها و حسن انتظامها، و لكل شيء كمال يليق به و قد يليق بغيره ضده فحسن كل شيء في كماله الذي يليق به فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس و لا يحسن الخط بما يحسن به الصوت،و لا تحسن الأواني بما تحسن به الثياب و كذلك سائر الأشياء فإن قلت:فهذه الأشياء،و إن لم تدرك جميعها بحسن البصر مثل الأصوات،و الطعوم فإنها لا تنفك عن إدراك الحواس لها،فهي محسوسات و ليس ينكر الحسن و الجمال للمحسوسات و لا ينكر حصول اللذة بإدراك حسنها،و إنما ينكر ذلك في غير المدرك بالحواس فاعلم أن الحسن و الجمال موجود في غير المحسوسات.إذ يقال هذا خلق حسن،و هذا علم حسن،و هذه سيرة حسنة،و هذه أخلاق جميلة،و إنما الأخلاق الجميلة يراد بها العلم، و العقل،و العفة،و الشجاعة،و التقوى،و الكرم،و المروءة،و سائر خلال الخير،و شيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس،بل يدرك بنور البصيرة الباطنة،و كل هذه الخلال الجميلة محبوبة،و الموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته،و آية ذلك و أن الأمر كذلك،أن الطباع مجبولة على حب الأنبياء صلوات اللّه عليهم،و على حب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم،مع أنهم لم يشاهدوا، بل على حب أرباب المذاهب،مثل الشافعي و أبي حنيفة،و مالك،و غيرهم،حتى أن الرجل قد يجاوز به حبه لصاحب مذهبه حد العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع ماله في نصرة مذهبه،و الذبّ عنه،و يخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه و متبوعه،فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب،و ليت شعري من يحب الشافعي مثلا فلم يحبه و لم يشاهد قط صورته،و لو شاهده ربما لم يستحسن صورته فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة،فإن صورته الظاهرة قد انقلبت ترابا مع التراب،و إنما يحبه لصفاته الباطنة من الدين و التقوى و غزارة العلم و الإحاطة بمدارك الدين،و انتهاضه لإفادة علم الشرع،و لنشره هذه الخيرات في العالم و هذه أمور جميلة،لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة،فأما الحواس فقاصرة عنها،و كذلك من يحب أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه و يفضله على غيره،أو يحب عليا رضي اللّه تعالى عنه و يفضله و يتعصب له،فلا يحبهم إلا لاستحسان صورهم الباطنة من العلم و الدين و التقوى