إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٠ - الأصل الرابع في بيان معنى الحسن و الجمال
و الشجاعة و الكرم و غيره، فمعلوم أن من يحب الصديق رضي اللّه تعالى عنه مثلا،ليس يحب عظمه و لحمه و جلده و أطرافه و شكله،إذ كل ذلك زال و تبدل و انعدم،و لكن بقي ما كان الصدّيق به صديقا،و هي الصفات المحمودة التي هي مصادر السير الجميلة، فكان الحب باقيا ببقاء تلك الصفات،مع زوال جميع الصور،و تلك الصفات ترجع جملتها إلى العلم و القدرة إذا علم حقائق الأمور،و قدر على حمل نفسه عليها،بقهر شهواته،فجميع خلال الخير يتشعب على هذين الوصفين،و هما غير مدركين بالحس و محلهما من جملة البدن جزء لا يتجزأ،فهو المحبوب بالحقيقة و ليس للجزء الذي لا يتجزأ صورة و شكل و لون يظهر للبصر حتى يكون محبوبا لأجله.فإذا الجمال موجود في السير و لو صدرت السيرة الجميلة من غير علم و بصيرة لم يوجب ذلك حبا،فالمحبوب مصدر السير الجميلة،و هي الأخلاق الحميدة،و الفضائل الشريفة،و ترجع جملتها إلى كمال العلم و القدرة،و هو محبوب بالطبع و غير مدرك بالحواس،حتى أن الصبي المخلى و طبعه إذا أردنا أن نحبب إليه غائبا أو حاضرا حيا أو ميتا لم يكن لنا سبيل إلا بالإطناب في وصفه بالشجاعة و الكرم و العلم و سائر الخصال الحميدة،فمهما اعتقد ذلك لم يتما لك في نفسه،و لم يقدر أن لا يحبه،فهل غلب حب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم،و بغض أبي جهل،و بغض ابليس لعنه اللّه.إلا بالإطناب في وصف المحاسن و المقابح التي لا تدرك بالحواس،بل لما وصف الناس حاتما بالسخاء،و وصفوا خالدا بالشجاعة أحبتهم القلوب حبا ضروريا،و ليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة و لا عن حظ يناله المحب منهم،بل إذا حكي من سيرة بعض الملوك في بعض أقطار الأرض العدل و الإحسان،و إفاضة الخير غلب حبه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبين لبعد المزار،و نأي الديار،فإذا ليس حب الإنسان مقصورا على من أحسن إليه،بل المحسن في نفسه محبوب و إن كان لا ينتهى قط إحسانه إلى المحب،لأن كل جمال و حسن فهو محبوب و الصورة ظاهرة و باطنة و الحسن و الجمال يشملهما،و تدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر و الصور الباطنة بالبصيرة الباطنة،فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها و لا يلتذ بها و لا يحبها و لا يميل إليها،و من كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة،فشتان بين من يحب نقشا مصورا على الحائط لجمال