إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٤ - بيان
فإذا فعلت ذلك به يا داود عميت نفسه عن الدنيا و أهلها،و لم أحببها إليه،لا يفتر عن الاشتغال بي،يستعجلنى القدوم،و أنا أكره أن أميته لأنه موضع نظرى من بين خلقي،لا يرى غيري و لا أرى غيره.فلو رأيته يا داود و قد ذابت نفسه،و نحل جسمه،و تهشمت أعضاؤه،و انخلع قلبه إذا سمع بذكرى،أباهي به ملائكتي و أهل سماواتى،يزداد خوفا و عبادة،و عزتي و جلالي يا داود لأقعدنه في الفردوس،و لأشفين صدره من النظر إلى،حتى يرضى و فوق الرضا و في أخبار داود أيضا: قل لعبادي المتوجهين إلى محبتي،ما ضركم إذا احتجبت عن خلقي،و رفعت الحجاب فيما بيني و بينكم حتى تنظروا إلي بعيون قلوبكم؟و ما ضركم ما زويت عنكم من الدنيا إذا بسطت ديني لكم؟و ما ضركم مسخطة الخلق إذا التمستم رضائى؟ و في أخبار داود أيضا،أن اللّه تعالى أوحى إليه:تزعم أنك تحبني،فإن كنت تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك،فإن حبي و حبها لا يجتمعان في قلب.يا داود خالص حبيبي مخالصة،و خالط أهل الدنيا مخالصة.و دينك فقلدنيه،و لا تقلد دينك الرجال.أما ما استبان لك مما وافق محبتي فتسمك به،و أما ما أشكل عليك فقلدنيه،حقا علىّ أنى أسارع إلى سياستك و تقويك،و أكون قائدك و دليلك،أعطيك من غير أن تسألني،و أعينك على الشدائد.
و إنى قد حلفت على نفسي أنى لا أثيب إلا عبدا قد عرفت من طلبته و إرادته إلقاء كنفه بين يدي، و أنه لا غنى به عنى.فإذا كنت كذلك نزعت الذلة و الوحشة عنك،و أسكن الغنى قلبك، فإنى قد حلفت على نفسي أنه لا يطمئن عبد لي إلى نفسه ينظر إلى فعالها إلا وكلته إليها،أضف الأشياء إلي،لا تضاد عملك فتكون متعنيا و لا ينتفع بك من بصبحك،و لا تجد لمعرفتي حدا، فليس لها غاية.و متى طلبت منى الزيادة أعطك،و لا تجد للزيادة منى حدا ثم أعلم بني إسرائيل أنه ليس بيني و بين أحد من خلقي نسب،فلتعظم رغبتهم و إرادتهم عندي أبح لهم ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت،و لا خطر على قلب بشر. ضعنى بين عينيك،و انظر إلي ببصر قلبك، و لا تنظر بعينك التي في رأسك إلى الذين حجبت عقولهم عنى،فامرجوها و سخت بانقطاع ثوابي عنها.فإنى حلفت بعزتي و جلالي لا أفتح ثوابي لعبد دخل في طاعتى للتجربة و التسويف.
تواضع لمن تعلمه،و لا تطاول على المريدين،فلو علم أهل محبتي منزلة المريدين عندي لكانوا لهم أرضا يمشون عليها.يا داود.لأن تخرج مريدا من سكرة هو فيها تستنقذه فأكتبك