إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٣ - بيان
أ فنجترئ على الدعاء و قد علمت أنه لا حاجة لنا في شيء من أمورنا،فأدم لنا لزوم الطريق إليك،و أتمم بذلك المنة علينا.و قال الآخر:نحن مقصرون في طلب رضاك،فأعنا علينا بجودك و قال الآخر:من نطفة خلقتنا،و مننت علينا بالفكر في عظمتك،أ فيجترئ على الكلام من هو مشتغل بعظمتك متفكر في جلالك،و طلبتنا الدنو من نورك و قال الآخر:كلت ألسنتنا عن دعائك لعظم شأنك،و قربك من أوليائك، و كثرة منتك على أهل محبتك.و قال الآخر:أنت هديت قلوبنا لذكرك،و فرغتنا للاشتغال بك،فاغفر لنا تقصيرنا في شكرك و قال الآخر:قد عرفت حاجتنا إنما هي النظر إلى وجهك و قال الآخر:كيف يجترئ العبد على سيده إذ أمرتنا بالدعاء بجودك،فهب لنا نورا نهتدي به في الظلمات من أطباق السموات و قال الآخر:ندعوك أن تقبل علينا،و تديمه عندنا.و قال الآخر.نسألك تمام نعمتك فيما وهبت لنا،و تفضلت به علينا.و قال الآخر:لا حاجة لنا في شيء من خلقك،فامنن علينا بالنظر إلى جمال وجهك و قال الآخر:أسألك من بينهم أن تعمى عينى عن النظر إلى الدنيا و أهلها،و قلبي عن الاشتغال بالآخرة.و قال الآخر:قد عرفت تباركت و تعاليت أنك تحب أوليائك فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كل شيء دونك فأوحى اللّٰه تعالى إلى داود عليه السلام قل لهم:قد سمعت كلامكم،و أجبتكم إلى ما أحببتم فليفارق كل واحد منكم صاحبه،و ليتخذ لنفسه سربا،فإنى كاشف الحجاب فيما بيني و بينكم حتى تنظروا إلى نوري و جلالي.فقال داود:يا رب بم نالوا هذا منك؟قال بحسن الظن و الكلف عن الدنيا و أهلها،و الخلوات بي،و مناجاتهم لي، و إن هذا منزل لا يناله إلا من رفض الدنيا و أهلها،و لم يشتغل بشيء من ذكرها،و فرغ قلبه لي،و اختارني على جميع خلقي فعند ذلك أعطف عليه،و أفرغ نفسه،و أكشف الحجاب فيما بيني و بينه حتى ينظر إلىّ نظر الناظر بعينه إلى الشيء،و أريه كرامتي في كل ساعة،و أقربه من نور وجهي،إن مرض مرضته كما تمرض الوالدة الشفيقة ولدها،و إن عطش أرويته،و أذيقه طعم ذكرى