إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٠ - القول
[١]«من استوى يوماه فهو مغبون و من كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون» و كذلك قال عليه السلام[٢]«إنه ليغان على قلبي في اليوم و الليلة حتى أستغفر اللّٰه سبعين مرة» إنما كان استغفاره من القدم الأول،فإنه كان بعدا بالإضافة إلى القدم الثاني.و يكون ذلك عقوبة لهم على الفتور في الطريق،و الالتفات إلى غير المحبوب،كما روي أن اللّٰه تعالى يقول:إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوات الدنيا على طاعتى،أن أسلبه لذيذ مناجاتى.
فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة للعموم،فأما الخصوص فيحجبهم عن المزيد مجرد الدعوى،و العجب،و الركون إلى ما ظهر من مبادئ اللطف،و ذلك هو المكر الخفي الذي لا يقدر على الاحتراز منه إلا ذوو الأقدام الراسخة ثم خوف فوت ما لا يدرك بعد فوته،سمع إبراهيم بن أدهم قائلا يقول و هو في سياحته و كان على جبل:
كل شيء منك مغفور
سوى الإعراض عنا
قد وهبنا لك ما فات
فهب ما فات منا
فاضطرب و غشي عليه،فلم يفق يوما و ليلة،و طرأت عليه أحوال ثم قال:سمعت النداء من الجبل:يا إبراهيم كن عبدا،فكنت عبدا و استرحت ثم خوف السلو عنه،فإن المحب يلازمه الشوق و الطلب الحثيث،فلا يفتر عن طلب المزيد،و لا يتسلى إلا بلطف جديد.فإن تسلى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب رجعته، و السلو يدخل عليه من حيث لا يشعر،كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر، فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة المبشر الاطلاع عليها.فإذا أراد اللّٰه المكر به و استدراجه أخفى عنه ما ورد عليه من السلو،فيقف مع الرجاء،و يغتر بحسن النظر، أو بغلبة الغفلة،أو الهوى،أو النسيان،فكل ذلك من جنود الشيطان التي تغلب جنود الملائكة من العلم،و العقل،و الذكر،و البيان و كما أن من أوصاف اللّٰه تعالى ما يظهر فيقتضى