إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٩ - القول
(وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا وَ كَفىٰ بِنٰا حٰاسِبِينَ [١]) فمن كان حبه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة و الحور العين و القصور، مكن من الجنة ليتبوأ منها حيث يشاء،فيلعب مع الولدان،و يتمتع بالنسوان،فهناك تنتهي لذته في الآخرة،لأنه إنما يعطى كل إنسان في المحبة ما تشتهيه نفسه و تلذ عينه.و من كان مقصده رب الدار و مالك الملك،و لم يغلب عليه إلا حبه بالإخلاص و الصدق،أنزل في مقعد صدق عند عليك مقتدر.فالأبرار يرتعون في البساتين.و يتنعمون في الجنان مع الحور العين و الولدان، و المقربون ملازمون للحضرة،عاكفون بطرفهم عليها،يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرة منها.فقوم بقضاء شهوة البطن و الفرج مشغولون،و للمجالسة أقوام آخرون.و لذلك قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«أكثر أهل الجنة البله و عليون لذوي الألباب».و لما قصرت الأفهام عن درك معنى عليين،عظم أمره فقال (وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا عِلِّيُّونَ [٢]) كما قال تعالى (الْقٰارِعَةُ مَا الْقٰارِعَةُ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْقٰارِعَةُ [٣]) و منها أن يكون في حبه خائفا متضائلا تحت الهيبة و التعظيم.و قد يظن أن الخوف يضاد الحب،و ليس كذلك.بل إدراك العظمة يوجب الهيبة،كما أن إدراك الجمال يوجب الحب. و لخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ليست لغيرهم.و بعض مخاوفهم أشد من بعض، فأولها خوف الإعراض،و أشد منه خوف الحجاب،و أشد منه خوف الإبعاد و هذا المعني في سورة هود هو الذي[٢]شيب سيد المحبين،إذ سمع قوله تعالى (أَلاٰ بُعْداً لِثَمُودَ [٤]) (أَلاٰ بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمٰا بَعِدَتْ ثَمُودُ [٥]) و إنما تعظم هيبة البعد و خوفه في قلب من ألف القرب و ذاقه و تنعم به،فحديث البعد في حق المبعدين يشيب سماعه.أهل القرب في القرب،و لا يحن إلى القرب من ألف البعد و لا يبكى لخوف البعد من لم يمكن من بساط القرب ثم خوف الوقوف و سلب المزيد، فإنا قدمنا أن درجات القرب لا نهاية لها،و حق العبد أن يجتهد في كل نفس حتى يزداد فيه قربا.و لذلك قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم.
[١] الأنبياء:٤٧
[٢] المطففين ١٩
[٣] القارعة:١،٢،٣
[٤] هود:٦٨،٩٥
[٥] هود:٦٨،٩٥